رم - كتبت النائب د. ديمة طهبوب
مولع هو المؤرخ دائما بتتبع البدايات والأحداث: متى كان؟ متى بدأ؟ من أول من فعل كذا؟ وماذا حصل؟
وعلى هذا النهج ظننت أني أعرف بداية القصة واحفظ التاريخ والاسم جيدا ١٩٢٠ معركة تل الثعالب أول شهيد أردني على أرض فلسطين الأيقونه كايد مفلح العبيدات
واذ بي لا اعرف التاريخ، ذلك أن هذه القصة تحديدا، قصة الكرامة في الأردن، ليس لها بداية ولا نهاية إنها فطرة أصيله، شيء من الجبلة، فربما بدأ تاريخ الكرامة منذ أن أطلق على المنطقة اسم "جند الأردن" وتجمع فيها كبار وخيار الصحابة من اصحاب السابقة والفضل والشجاعة ليحققوا انتصارات عظيمة على امبراطوريات كبرى مهدت لفتح عظيم في القدس، و قد امتد جند الأردن وقتها جغرافيا ليشمل طبرية والسامرة وبيسان وطبقة فحل وجرش وبيت راس وجدارا والطفيلة و البلقاء، فالجمع بين الاخوة في الاردن وفلسطين ارضا وشعبا وجهادا أصيل وعريق عراقة تاريخنا
جند الأردن لم يكن مرحلة تاريخية ولا امتدادا جغرافيا انقضى بانقضاء ايامه، بل ظل خلق الجندية والاستبسال والشهامة أصل ثابت فرعه في السماء، فلم يذق العدو الصهيوني لطمة لا ينساها سوى جند الأردن في معركة الكرامة فكبدهم جيش محدود العدد ولكنه غير محدود التضحية ما لم يكبده لهم كبريات الجيوش المنفوخة كلاما دون فعل
وربما بدأ تاريخ الكرامة قبل ذلك بنص مقدس ومعجزة الهية من منذ أن نزل القرآن فربط بين المسجد الاقصى وما حوله فكان الأول في الحولية والاول في القربى والأول في حوض البركة الأردن، من وقتها كتب العهد والميثاق وما كتبه الله محفوظ لا تفصم له عروة ولا تقوم عليه تواريخ بداية ولا نهاية
ربما بدأ تاريخ الكرامة منذ أن اختار الممهدون للفتوح الأردن مستقرا واختاروا أرضه منطلقا واختار ابن ال البيت جعفر أن يوجه من مؤتة رسالة لا تنسى: أن لو قطعت يدك الأولى فلا تتراجع ولو قطعت الثانية فلا تراجع وأن لا سقوط للمبدأ او المشروع بالتقطيع، ولكن احتضان حتى النفس الأخير من مؤتة الأردنية كان درسا من صلب بيت النبوة سيظل يصدح من مآذن الكرك أن لا عودة ولا استقالة من نصرة الحق
ثم تتعاقب الازمان ولكل زمان رجاله الخالدون عند ربهم أحياء يرزقون والخالدون في ذاكرة التاريخ والمجد ولو غاب خبرهم عن البعض
وأبقى في الكرك حيث رجل رفض الدنية مبكرا منذ أن حطت بالشؤم في أراضينا، وكان لقبه الشوفي لانه كان دائما في طليعة الفرسان يتقدمهم في المعارك، واسمه اسماعيل المجالي وهو أحد أبرز قادة العشائر الأردنية في القرن التاسع عشر، وهو الابن الأكبر للشيخ يوسف بن سليمان المجالي، ثار ضد حكم ابراهيم باشا، ورفض تسليم الثائر الفلسطيني قاسم الأحمد، متمسكًا بقيم حماية الدخيل فكان أن ألقي القبض عليه في معان، وتم نقله إلى القدس، حيث أُعدم على أسوارها عام 1834، ليكون أول شهيد أردني يُعدم هناك، تاركًا إرثًا من البطولة والكرامة التي لا تزال محفورة في ذاكرة التاريخ.
لماذا كان الارتقاء في القدس؟ وكان للظالم أن يعدمه في أي مكان ومدينة؟ ولكني اقرأ اصطفاء الله حتى في المحطة النهائية واختيار المكان، استشهد الذبيح المجالي ابن الكرك على اسوار القدس ليعمد الطريق بين الكرك والقدس بالدم والنور فيبقى مضيئا يشير للسالكين أن هلموا فلا وحشة في طريق عبده شهيد
أعرف تاريخ الكرامة وأنا اقرأ عن المارد الأردني محمد حينان العون السردي الذي قرر، بعد ان كتب وصيته وختمها بالدعاء بالشهادة او النصر، وبعد استشهاد قائده الشهيد محمد هويمل الزبن، أن لا يعود حتى يكبل العدو خسائرا لا ينساها فرد على خبر استشهاد قائده ملبيا " يا ربنا رباَ رحوم، يا راعي القباب العالية، أدعي لنا نصراً عظيماً إذا بلتنا البالية، يا حسين حنا عزوتك حرب العدو ما نهابها، لعيونك، لعيون بسمة والبنات دم النشامى خضابها" وبمدفعه وحيدا الا من ايمانه وشجاعته، ضاربا بعرض الحائط ما يسمى توازن القوى هازئا بكل الترسانة العسكرية الصهيونية والداعمين والمزودين لها ،دمر السرية الأمامية كلها للكتيبة المدرعه بقيادة الكولونيل اهارون بيلد
وأتساءل من هي بسمة ومن هن البنات؟ هل هي الاميرة بسمة كما تقول بعض التفسيرات؟ والبنات كناية عن كل امرأة اردنية والشهيد ينخى نفسه للدفاع عنهن؟ هل بسمة اسم زوجته والبنات بناته او اخواته؟ أيا كان معنى هذه النخوة وهذا النداء والسند فهنيئا لامرأة تكون على لسان شهيد في لحظات مجده وتكون وقودا لإقدامه ودافعا لنخوته
اعرف تاريخ الكرامة وأنا أقرأ عن أرض غور الصافي تنبت الشهداء وتتخضب أرضها بالدماء الطاهرة، ولذا ربما هي خصبة، فقد سال عليها دم عشرية الشهداء الذين لبوا استغاثة مغفر غور الصافي عندما هاجمهم الصهاينة وكان عددهم ٦٠٠ جندي ترافقهم اربع دبابات وقطعوا أسلاك الهاتف وزرعوا الألغام في الطريق الواصل بين الكرك وغور الصافي بهدف عدم وصول أي مساعدات للمنطقة وكاد يستولون على المنطقة والمغفر لولا قدوم كتيبة مؤلفة من عشر جنود قاموا مباشرة بربط خطوط الهاتف وإزالة الألغام والإتصال بعمان وطلب النجدة.
فجاءتهم ثلاثة طائرات وتمكنوا من طرد اليهود لمستعمرتهم بعد أن خلفوا ما يزيد عن 40 قتيل.
عشر جنود لم يهابوا ولم يتراجعوا في مواجهة ٦٠٠ من اعداءهم!! أهذه ايات سورة الانفال تتحقق في المائة الصابرين يغلبوا مئتين والألف يغلبون ألفين بإذن الله؟ أي عزم وعزيمة لديهم، أي ايمان وتسامي!!
ألم يدرسوا النظريات الواقعية والفرضيات والاحتمالات؟ لا، فجنود الجيش العربي لا يأخذون مساقات في التخاذل والخذلان بمسميات تزويقيه، مساقات جنود الكرامة مكتوبة فقط بحروف من عزة وتعالي يكتب عن ذلك د معن ابو نوار في كتابه عن معركة الكرامة فيقول راصدا للمرحلة" قواتنا في الكرامة هي نفس قواتنا في حزيران لم تصلنا بعد قطعة سلاح جديدة او ذخيرة، تعويضا للخسائر التي فقدناها في الحرب، وكل ما هنالك انه اعيد تنظيم ما بقي لدينا واستخدمناه لاقصى طاقه واعلى جهد، وفوق ذلك كله وقبل ذلك كله الايمان بالله ومعدن رجالنا واصالتهم،
كان كل شيء ضدنا، ولكن الجو الذي خيم على الجيش في ذلك الوقت يمكن تلخيصه بكلمة "ولا يهمك" وأخذ الضباط والجنود في كل مكان من الجبهة يقسمون قسما صادقا على القرآن الكريم عهدا منهم على الاستشهاد في سبيل الله او النصر وكان ذلك عفويا وعن رغبة وإيمان"
أعرف ماذا يصنع أبطال الكرامة وعلى ماذا يتربون وما هي عقيدة الجيش العربي وأنا استمع للعريف عبد ربه ابراهيم وهو يروي " كان استاذ الدين ايام كنا في الثكنات وتحت التدريب يدرسنا عن معارك المسلمين، وكان يقول لنا ان الايمان الصحيح دفع المسلمين من الصحراء الى شكال افريقيا واوروبا واسيا وحتى الهند، وأن الإيمان الصحيح يصنع المعجزات"
أعرف تاريخ الكرامة وأنا أقرأ عن عائلات تتوارث الأمانة في الدفاع عن بلدها وامتها ويروي العريف سليمان الحامد، الذي قضى من سنوات خدمته في القدس وكان يصلي الجمعة في المسجد الأقصى، قصة إرث الكرامة فيقول "كان عمي يقول لي دائما اذا اردت ان تكون رجلا بكل معنى الكلمة فاذهب الى الجيش وعش فيه رجلا فهناك في الجيش مكان الرجال وكان عكي يحمل رتبة نائب وكنت أتطلع الى اليوم الذي أصبح فيه نائبا مثله…
كنا نجتمع انا وابن عمي عنده في اجازتنا وكان يحدثنا عن قصص البطولة والشجاعة… ولكن توقفت اجتماعاتنا بعد حرب حزيران فقد استشهد عمي النائب ارشيد فليحان وكان من أحسن رماة الجيش في القدس ولحقه في الشهادة ابن عمي، ابنه، ضيف الله ارشيد وكان عمي يقول له دائما" اذا أردت يا ضيف الله ان تكون ضيفا عند الله حقا فاطلب الشهادة في سبيل الله تجد أن الله يعطيك شهادة خارقة"
وعزمت أن أبر بعمي وابنه واخذ بثأرهما فقد رباني عمي والدا بعد وفاة والدي ووضعني على طريق الكرامة يوم التحقت بالجيش"
أعرف تاريخ الكرامة وحاضرها الممتد، مد الله في عمر رجالها الأحياء بيننا وفي ذكرى الاحياء عند ربهم يرزقون، يوم رن هاتفي ذات يوم فكان على الطرف الاخر رجل يقول أنه فاضل علي فهيد السرحان فتكلم طويلا بكلام أبوي ووطني حريص كان بودي أن لا يتوقف، ورددت بتلعثم شديد وأنا أقول في نفسي هل المتكلم هو نفسه الفريق الركن فاضل السرحان الذي كان من أبطال الكرامة وكان وقتها قائد سرية الدبابات الذي أصيب في المعركة بجراح بليغة ابقته على سرير المستشفى ثلاثة أشهر يصارع الموت في حالة غيبوبة فلما من الله عليه بالشفاء لم يأخذ اجازة ولا استراحة محارب بل عاد الى سريته ليقودها في الميدان
وقرأت قصة اصابة اللواء الركن في المصادر المنقولة عنه واصفا تفاصيل اصابته في المعركة" وفجأة شعرت باهتزاز الدبابة وصوت انفجار فيها، وشعرت أن ساقي لم تكن لم تعد مني، وشعرت بالدم الساخن ينساب من ركبتي الى الى قدمي…وأصبنا بطلقة اخرى وهذه المرة شاهدت أمعائي تختلط بنطاقي وقد برزت مغطاة بالدم من بطني
وأطل رجل من عرب العدوان من القعدان لمساعدتي ونظر الي نظرات حزن وقال "الله يعوض على أهلك. والله ما بتركك أنا معك والله معنا.." ويتابع السرحان " لا شك أن الالم العضوي مزعج ولكن الالم الاكبر هو ان يتخلى الرجل عن واجبه فهذا النوع من الالم يبقى مع الانسان طوال حياته أما ألم الجسم فينتهي مع حبة منوم..
لقد كان نصر الكرامة احسن علاج وجدته بعد أن صحوت" فالله در الجبال كالفريق السرحان ما زالت رواسي شامخات تحفظ بركة أرضنا لتعلمنا أن سيرتها ستبقى منيرة لكل من أراد الهداية الى دروب الرجال الرجال صانعي الكرامة، ولنعيش معهم واقعا ما نراه في أوصاف الشجعان اذ قيل" آن الرجل الشجاع يلبس القلب على الدرع، وإن الرجل الجبان ليلبس الدرع على القلب"
أعرف تاريخ الكرامة الذي أثبت أن الشعر والفخر ليس مبالغة عندما يتعلق الامر بسلوك الشهداء كما وصفهم الشاعر:
ترى الفتى يتلو الفتى ليفديه
فإن هوى لم يرضَ أن يُخلّيه
يقول يا أخي ويا ابن أمّيه
يا نسمة الصبح ونار الامسيه
لا أقبل المنية المنتقيه
حتى تكون بيننا مسوّيه
فرأيت هذه الابيات انطباقا على قصة الشهيد العريف المدفعي محمد فريوان الذي ظل يقاتل على مدفعه وطائرات العدو تقصف موقعه واستمر في الرماية واستشهد ويده على الطارق، فقفز على مدفعه زميله عبد الله مسلم وصاح" أبشر يا محمد بمحمد والله اكبر، لاحقك يا محمد عشت اخوك في الدنيا وانا اخوك
في الاخرة" واستشهد عبد الله ويده ايضا على طارق المدفع وبقيت ملتصقة به
اعرف تاريخ الكرامة وما مهد اليها من تراكم بطولات وخبرات، وتغدو هذه الصفحة الممهدة للكرامة ونحن نعاني ما نعانيه في أمتنا وبلادنا العربية من التفوق الجوي لاعدائنا أكثر حضورا وإشراقا، فلدينا تاريخ مجيد كسرنا فيه القواعد واستعدنا زمام السيطرة والتحدي يوم استطاع النسر الاردني غازي الصمادي اسقاط الاسم المشهور الذي يحاول الايحاء على أنه سراب لا يرى ولكن ضربته قاتلة،:طائرة الميراج الصهيونية.
يا ترى ماذا كان يدور في خلد الطيار غازي الصمادي رفيق فراس العجلوني وموفق السلطي وهو يحلق في السماء؟ الا تعتري هؤلاء الأبطال نفس المشاعر التي تعترينا؟ هل حن لزوجته وعائلته؟ هل استسمح والديه في نفسه؟ هل استودعهم الله؟ هل تذكر ما فعله الصهاينة ببلدنا والعرب اجمعين؟
لا شك ان هؤلاء الابطال بشر بل أجمل وأنقى وأطهر البشر، ولكنهم يجعلون من بشريتهم قوة لقلوبهم ومددا لايمانهم ودرعا لامتهم.
ربما لم يسجل التاريخ مشاعر النسر غازي الصمادي وهو في الأعالي ولكنه سجل جنى يديه فكان في سجل الخالدين أول من أسقط طائرة الميراج الصهيونية بالرغم من تفوقها العسكري المعروف
أعرف تاريخ الكرامة وما مهد لها والله يجدد ذكرى شهيد أردني قائد على أرض فلسطين، لتحيا ويحيا اسمه وشجاعته هو المقدم صالح شويعر قائد كتيبة الدبابات الثانية في لواء حطين٫ الذي يحمل المعسكر، الذي يتدرب أبناؤنا فيه الآن على خدمة العلم في الزرقاء، اسمه، وقد كان القائد شويعر رمزا من رموز الثبات وظل يقاتل على أرض نابلس رافضا الانسحاب بعد أن خسرت الكتيبة كل دباباتها وقال لجنوده" العدو أمامنا وثأرنا مخبوء منذ عام ١٩٤٨، ودم شهدائنا أمانة في أعناقنا، وعيب علينا ان ما انتقمنا لدمنا، من يريد أن ينسحب فهو مثل النساء تحرم عليه الشمغ حمرا هدايبها، ومن يريد الشهادة فليمضي خلفي لا اله الا الله محمد رسول الله الله أكبر"، وبعد أن نفذت الذخيرة من الدبابة انطلق صالح شويعر ليلتحم مع دبابات العدو وأعطب ثلاثة منها قبل تدمير دبابته بالكامل واستشهاده
أعرف حاضر الكرامة متجددا وأنا أترحم على ابن قبيلة تاريخها هو تاريخ الاردن امتدادا وأصالة ونبلا هي قبيلة الحويطات، أنساه شلال الدماء في غزة نفسه وأسرته، وقرر أن ينتصر لكل امرأة وطفل وعاجز وكبير سن، فكيف لا يجود ابن مدينة معروفة بالكرم والاطعام والسقاية والضيافة، كيف لا يجود بنفسه والجود بالنفس اسخى الجود، لقد مضى أبو قدر ماهر الجازي على قدر ليكون جزءا من كتابة قدر النصر والكرامة الجديدة، فالله در الاردن جاد ويجود بفلذات أكباده خير الرجال وزينة الرجولة
أما وان لم يكن لقصة معركة الكرامة بداية فإن لها نهاية لم يحن وقتها بعد الا ان استشراف ملامحها واضح في كلمات الملك حسين رحمه الله في رسالته للقوات المسلحه في احدى مناسبات ذكرى الكرامة " وإنني على يقين بأن هذا البلد سيبقى منطلقا للتحرير، ودرعا للصمود، وموئلا للنضال والمناضلين، يُحمى بسواعدكم ويُذاد عنه بأرواحكم، هذه هي أرضنا وهنا نبقى احياء مع الكرامة او هنا نموت"
وأظل أردد قول الحسين رحمه الله الذي نقله العقيد المتقاعد محمد المقابلة: "فوهات البنادق ليس لها علاقة بأقلام السلام"
وأعيد وأجدد ما قلته العام الماضي وسأقوله في كل الأعوام: انظروا في تاريخ الأردن ستعرفون بالدليل القاطع انها لم تكن معركة كرامة واحدة انها تاريخ وحاضر ومستقبل بإذن الله من الكرامات