رم - عاطف أبو حجر
ليست كل الأطعمة تُؤكل بلا تفكير؛ فبعضها يحتاج إلى شجاعة قبل الملعقة، وصبر قبل اللقمة. واللوف واحد من تلك الأطعمة التي تدخل المائدة كضيفٍ مثيرٍ للجدل: يخشاه المبتدئون، ويتباهى به أصحاب الخبرة. فهو نبات بريّ صغير، لكنه قادر على إشعال معركة خفيفة بين الجرأة والحذر قبل أن يتحول في النهاية إلى متعة لا تُقاوم.
يقف اللوف في البراري بثقة، كأنه يقول: «اقترب… ولكن على مسؤوليتك». لونه الأخضر البريء لا يخدعك، وساقه المرقطة تحذرك من الاستهانة به. كل لقمة تُنتزع بعد معركة صغيرة، وما إن يهلّ الربيع حتى تتحول القرى إلى بعثات استكشافية لقطفه قبل أن يسبقنا إليه الجيران.
هو نبات لا يعترف بالمتهورين؛ عاملته بخفة عاملك بحرقة، وصبرت عليه منحك طبقًا يليق بانتصار طويل. وكأنما يقول: «هل ستنتظر وقتك لأجلي؟»
لكن بعد كل هذا التحدي، يتحول اللوف إلى سعادة على المائدة مع أكلة التشعاتشيل أو الرشوف؛ لقمة واحدة تكفي لتنسى المرارة وتقول من قلبك: يا سلام! من كان يظن أن هذا العدو اللذيذ سيصبح صديقًا لأمعائك؟
وهكذا يظلّ اللوف حكايةً ربيعية لا تشبه غيرها؛ يبدأ تحدّيًا في البراري، ويصبح في النهاية نصرًا صغيرًا على المائدة. فمن صبر على طبعه، واحترم طريقته، نال لذّة لا تُشترى ولا تُصنع في المصانع. وربما لهذا السبب يحبه الناس؛ لأنه يذكّرهم بأن الطبيعة لا تعطي أسرارها بسهولة، وأن أجمل النكهات هي تلك التي نصل إليها بعد قليل من المغامرة وكثير من الصبر. فحين تنتهي اللقمة الأخيرة، لا يبقى في الطبق سوى أثر حكاية، وفي القلب وعدٌ بربيعٍ جديد… وطبقٍ آخر من اللوف العجيب.