د. مهدي مبارك عبد الله
في لحظة شديدة التعقيد ومن بين دخان الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران خرج القرار الإيراني الأكثر حساسية منذ عقود ليعلن انتخاب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية خلفاً لوالده علي خامنئي الذي قُتل في الهجوم الذي استهدف طهران في الثامن والعشرين من فبراير 2026 حيث لم يكن القرار مجرد انتقال طبيعي للسلطة داخل النظام الإيراني بل بدا وكأنه إعلان سياسي مدوٍ موجّه إلى واشنطن وتل أبيب قبل أي طرف آخر مفاده أن الضربة التي استهدفت رأس النظام لم تنجح في كسر بنيته أو فرض معادلات جديدة عليه بل على العكس تماماً أعادت إنتاج القيادة في وقت قياسي وبطريقة حملت رسائل تحدٍ واضحة .
الصدمة الأولى لهذا القرار ظهرت في واشنطن حيث كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن صراحة رفضه تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى بل ذهب أبعد من ذلك حين قال إن هذه النتيجة غير مقبولة وإن إيران يجب أن تختار قيادة مختلفة تجلب السلام إلى المنطقة وفي خلفية هذا الموقف كانت واشنطن تراهن على سيناريو مختلف تماماً يقوم على أن اغتيال المرشد السابق سيخلق فراغاً سياسياً داخل إيران يسمح بإعادة تشكيل القيادة وفق توازنات جديدة، وربما يفتح الباب أمام شخصية أقل تشدداً أو أقرب إلى التفاهم مع الغرب لكن ما حدث فعلياً كان العكس تماماً إذ اجتمع مجلس خبراء القيادة بسرعة لافتة وأجرى اقتراعاً سرياً انتهى إلى اختيار مجتبى خامنئي بأغلبية ساحقة في رسالة سياسية واضحة بأن القرار الإيراني في اختيار قيادته لا يخضع لضغوط الخارج ولا لحسابات الخصومة.
النتائج السياسية المباشرة لم تصب واشنطن وحدها بل امتدت إلى تل أبيب أيضاً التي كانت تعتقد أن اغتيال المرشد سيقود إلى ارتباك داخل بنية النظام الإيراني لكنها فوجئت بأن المؤسسة السياسية والدينية والعسكرية أعادت ترتيب صفوفها بسرعة غير متوقعة وان اختيار مجتبى خامنئي في هذا التوقيت تحديداً حمل دلالات متعددة أبرزها أن النظام قرر الرد على محاولة زعزعة استقراره بإظهار أعلى درجات التماسك والاستمرارية وأن القيادة الجديدة لن تكون مجرد مرحلة انتقالية بل امتداد مباشر لنهج المواجهة الذي حكم سياسة إيران خلال العقود الماضية .
اللافت في هذا التطور السريع أن شخصية مجتبى خامنئي نفسها كانت محاطة بكثير من الجدل قبل وصوله إلى هذا المنصب فعلى مدى سنوات كان يوصف داخل الدوائر السياسية الإيرانية برجل الظل نظراً لنفوذه الهادئ داخل بيت القيادة وعلاقاته الوثيقة بالحرس الثوري وبعدد من التيارات المحافظة داخل النظام حيث نشأ في بيئة سياسية مشبعة بأحداث الثورة الإيرانية والحرب مع العراق كما خدم في صفوف قوات الباسيج المرتبطة بالحرس الثوري الأمر الذي جعله قريباً من المؤسسة العسكرية التي أصبحت أحد أهم مراكز القوة في إيران الحديثة .
خلفية الاحداث المتسارعة تفسر إلى حد كبير الرسالة التي أرادت طهران توجيهها من خلال هذا الاختيار بان انتخاب شخصية ترتبط بعلاقات وثيقة مع الحرس الثوري في ذروة الحرب يعني عملياً أن المؤسسة العسكرية أصبحت شريكاً أساسياً في صياغة مستقبل النظام وأن المرحلة المقبلة قد تشهد حضوراً أكبر للحرس الثوري في إدارة الملفات السياسية والأمنية وبالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل فإن هذا السيناريو هو الأسوأ لأنه يعني أن إيران ستتجه نحو مزيد من التشدد والتماسك بدلاً من الانقسام الذي كانت تراهن عليه بعض الدوائر الغربية .
في المقابل يرى عدد من المحللين أن اختيار مجتبى خامنئي لا يمكن قراءته فقط من زاوية الصراع مع واشنطن وتل أبيب بل أيضاً من جانب التوازنات الداخلية للنظام الإيراني ومجلس خبراء القيادة عندما اختار المرشد الجديد كان أمام معادلة حساسة تتمثل في الحفاظ على استقرار الدولة في لحظة حرب مفتوحة ولذلك بدا الخيار الأقرب إلى التوافق هو شخصية تمتلك علاقات قوية مع المؤسسة الدينية والعسكرية في الوقت نفسه وقادرة على ضمان استمرار النهج السياسي للجمهورية الإسلامية دون حدوث انقسامات داخلية قد تستغلها القوى الخارجية .
رغم هذا التماسك الظاهر فإن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة على القيادة الإيرانية الجديدة خاصة وان الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ما تزال مفتوحة على احتمالات متعددة تتراوح بين تصعيد عسكري أوسع قد يجر المنطقة إلى مواجهة إقليمية شاملة وبين سيناريو أكثر تعقيداً يقوم على حرب استنزاف طويلة تعتمد فيها واشنطن وتل أبيب على الضربات المحدودة والضغوط الاقتصادية لإضعاف إيران تدريجياً ولهذا فإن الانتقال السريع للسلطة بعد مقتل المرشد لم يكن مجرد استجابة طارئة لفراغ القيادة بل كان أيضاً رسالة استراتيجية مفادها أن الدولة الإيرانية قادرة على امتصاص الصدمات الكبرى وتحويلها إلى عامل تماسك داخلي ومن هذه الزاوية يبدو انتخاب مجتبى خامنئي محاولة لإعادة تثبيت معادلة الاستمرارية السياسية في لحظة حرب مفتوحة وتأكيد أن الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل لن يُدار بردود فعل مؤقتة بل ضمن رؤية طويلة الأمد ترى في المواجهة جزءاً من معادلة بقاء النظام ودوره الإقليمي .
السيناريو الثالث الذي يتحدث عنه بعض المراقبين يتمثل في عودة غير مباشرة إلى طاولة المفاوضات لكن بشروط مختلفة تماماً عن تلك التي كانت مطروحة قبل الحرب فاختيار مجتبى خامنئي قد يعني ايضا أن إيران ستدخل أي مفاوضات مستقبلية من موقع أكثر تشدداً مستندة إلى خطاب سياسي يقوم على فكرة الصمود في وجه العدوان الخارجي وفي هذه الحالة قد تتحول المفاوضات إلى جزء من استراتيجية إدارة الصراع بدلاً من أن تكون طريقاً سريعاً نحو التسوية .
في الداخل الإيراني يحمل هذا الحدث أبعاداً رمزية عميقة فانتقال السلطة إلى مرشد جديد بعد مقتل المرشد السابق في هجوم عسكري خارجي يشكل اختباراً حقيقياً لقدرة النظام على الاستمرار الرسالة التي أراد الحرس الثوري والمؤسسات السياسية إرسالها كانت واضحة والنظام لم يسقط باغتيال قائده بل أعاد إنتاج نفسه بسرعة أكبر مما توقع خصومه ولذلك يرى كثير من المراقبين أن انتخاب مجتبى خامنئي كان في جوهره إعلاناً عن مرحلة جديدة من الصراع عنوانها أن إيران اختارت الرد على الحرب بتثبيت نظامها السياسي وليس بإعادة صياغته .
إقليمياً يضيف هذا التطور طبقة جديدة من التعقيد إلى ميزان القوى في الشرق الأوسط. فاختيار قيادة ترتبط بعلاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية يعني أن إيران قد تميل في المرحلة المقبلة إلى الجمع بين مسارين متوازيين تثبيت الجبهة الداخلية من جهة ورفع مستوى الردع الإقليمي من جهة أخرى وهذا قد ينعكس على طبيعة المواجهة مع إسرائيل وعلى حسابات واشنطن في المنطقة وإن القيادة الجديدة ستسعى على الأرجح إلى إثبات قدرتها على إدارة الصراع بنفس الصلابة التي اتسمت بها القيادة السابقة وفي ظل شبكة التحالفات التي نسجتها طهران خلال العقود الماضية فإن أي تحول في مركز القرار الإيراني لن يبقى شأناً داخلياً بل سيتردد صداه في مجمل المعادلة الإقليمية التي تقوم على توازنات دقيقة بين الردع والتصعيد .
اما على المستوى الدولي فقد أظهر انتخاب المرشد الجديد حجم الاستقطاب الذي يحيط بالملف الإيراني فروسيا سارعت إلى تهنئة القيادة الجديدة مؤكدة استمرار الشراكة مع طهران وهو موقف يعكس بوضوح أن الحرب على إيران لم تعد مجرد صراع إقليمي بل أصبحت جزءاً من المواجهة الجيوسياسية الأوسع بين موسكو والغرب وهذا الانقسام الدولي يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد لأن أي تصعيد عسكري في المنطقة قد يتحول بسرعة إلى أزمة عالمية تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى
قرار مجلس خبراء القيادة لم يكن مجرد خطوة دستورية لاختيار مرشد جديد بل كان حدثاً سياسياً كبيراً أعاد رسم ملامح الصراع في الشرق الأوسط وبدلاً من أن يتحول اغتيال علي خامنئي إلى بداية نهاية النظام الإيراني كما كانت تتوقع بعض الدوائر في واشنطن وتل أبيب جاء انتخاب مجتبى خامنئي ليحوّل تلك اللحظة إلى نقطة انطلاق لمرحلة أكثر تعقيداً من التحدي والمواجهة
بالتدقيق في هذه المعطيات يمكن القول إن المنطقة دخلت فعلاً مرحلة جديدة لم تعد فيها الحرب على إيران مجرد معركة عسكرية بل باتت صراعاً على شكل النظام الإقليمي بأكمله أما الرسالة الأبرز التي خرجت من طهران بعد هذا القرار فهي أن القيادة الإيرانية لن تُصاغ في البيت الأبيض ولا في تل أبيب وأن محاولة فرض مستقبل إيران بالقوة قد تؤدي في النهاية إلى نتيجة معاكسة تماماً لما أراده أصحابها
القراءة الأعمق لهذا التطور تشير إلى أن ما جرى في طهران يتجاوز مجرد اختيار مرشد جديد ليعكس قدرة النظام الإيراني على إعادة إنتاج نفسه في أكثر اللحظات خطورة. فالتجربة التاريخية للجمهورية الإسلامية منذ عام 1979 أظهرت أن بنيتها السياسية لا تقوم على شخص واحد مهما بلغت مكانته، بل على منظومة مؤسساتية معقدة تجمع بين المرجعية الدينية والشرعية الثورية والقوة العسكرية التي يمثلها الحرس الثوري
قد يكون اغتيال علي خامنئي أحدث صدمة كبرى في الداخل الإيراني وفي المشهد الإقليمي لكن ما جرى بعد ذلك أظهر حقيقة أساسية في طبيعة الدولة الإيرانية بان إيران لا تموت بموت مرشدها ولا تتغير معادلاتها الكبرى بسقوط قائد مهما كان حجمه حيث تأسست الجمهورية الإسلامية على ثقافة سياسية تقوم على التحدي والصمود والمواجهة والعناد في الدفاع عن سيادتها وحقوقها وهي تبدو اليوم أكثر حضوراً في ظل الحرب الدائرة
ختاما : اختيار المرشد الجديد من المرجح أن يعكس الروح الثورية ذاتها وان تستمر إيران في اتباع النهج نفسه الذي حكم سياستها العسكرية والسياسية طوال العقود الماضية والذي يقوم على مواجهة الضغوط الخارجية وحماية الشعب والارض ووفق هذه المعادلة فأن صعود مجتبى خامنئي إلى قمة هرم السلطة لن يكون مجرد تغيير في الأسماء بل انتقالً ضروري سينعكس مباشرة على مجريات الحرب وحدّة المواجهة في المرحلة المقبلة ليؤكد يأن الصراع دخل بالفعل فصلاً جديداً أكثر تعقيداً وحساسية في تاريخ المنطقة
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |