رمضان مختلف


رم - بقلم: عاطف أبو حجر

في كل عام من شهر رمضان، يتوقع الناس قائمة ثابتة من الطقوس: ارتفاع استهلاك التمر والقطايف، ازدحام المخابز قبل المغرب، سباق مع الوقت لإعداد الشوربة، ثم جلسات روحانية بعد التراويح يتخللها نقاش سياسي خفيف لا يفسد للود قضية. لكن يبدو أن رمضان هذا العام قرر أن يخرج عن النص، وأن يتحول من شهر هادئ الإيقاع إلى عرض كوميدي مفتوح، تتداخل فيه الأخبار الطريفة مع المشاهد اليومية التي يصعب أحيانًا تفسيرها بالعقل وحده.

فإذا كان الإعلام قد اعتاد تقديم نشرات الأخبار بجدية مفرطة، فإن رمضان هذا العام قدّم نشرة مختلفة تمامًا؛ نشرة لا تخلو من مفاجآت تجعل المتابع يتساءل: هل ما نراه حقيقة أم مجرد فقرة من برنامج ساخر طويل؟

هذا العام أصبح رمضان نشرة أخبار مفتوحة بعنوان: “العجب العجاب بين المغرب والسحور”.
نسمع ونشاهد… لكن ما نسمعه هذه الأيام يحتاج أحيانًا إلى مترجم للمنطق!

برد قارص، وصفارات إنذار، وأخبار متضاربة تأتي من كل اتجاه. وبينما يستعد الناس للإفطار، يأتينا خبر عابر للحدود: عجل في لبنان يسقط من باخرة إلى البحر وتنتهي قصته بشكل مأساوي على الشاطئ. وحتى طرق التهريب لم تسلم من الغرابة؛ خبر عن القبض على ثلاثة أشخاص حاولوا دخول أوروبا متخفّين بلباس خراف! لتأتي التعليقات الشعبية فورًا:
“اسحبوهم عالمسخ”، وآخر يقول: “مليح ما كان التيس بالشاحنة!”

نعم، حتى الخراف المزيّفة قررت أن تشاركنا موسم المفاجآت.

وعندنا محليًا، ظهر قرد فوق سطح كرفان في إحدى مدارس محافظة المفرق. قرد يا جماعة! لا نعلم هل جاء ليتابع الطابور الصباحي أم ليقدّم حصة نشاط رياضي.

أما “هوشات ما قبل الإفطار” فهي رياضة موسمية يبدو أنها دخلت ضمن البرامج الرمضانية غير المعلنة. الأسباب؟ أحيانًا لا تتجاوز نظرة، أو أولوية مرور، أو خلافًا عابرًا على موقف سيارة. دقائق قبل الأذان تتحول بعض الشوارع إلى حلبات مصارعة وملاكمة، وكأن الصائم يختبر قوة تحمّله على الطريقة الشعبية.

ولا ننسى المفرقعات وألعاب “إشعال الخريس” وإطلاق الصواريخ بواسطة ماسورة بلاستيكية بعد وضع الكبريت والماء داخلها وإشعالها. هذه الألعاب التي انتشرت بين الأطفال خطرة، تُشعل الأرض والقلوب معًا، وتحوّل الحارات إلى عروض مؤثرات صوتية تنافس أفلام الأكشن في سباق غير محسوب مع السلامة العامة.

وفي الأسواق… يا سلام على الأسواق!
بطيخ أحمر “على السكين” في غير موسمه، وبأسعار تجعلك تتساءل: هل هو بطيخ أم أسهم في البورصة؟ ونزول اللوز الأخضر والحامض والكرز والتين مبكرًا، وكأن الفصول قررت أن تتداخل، أما الأسعار فحدّث ولا حرج.

ومشهد آخر لا يقل إثارة: ازدحامات أمام فروع المؤسسة الاستهلاكية لشراء الزيت، وكأننا في سباق عنوانه: “من يدرك الزيت أولًا؟”

ومن الجانب الاجتماعي، ارتفعت حالات الطلاق بشكل لافت. يبدو أن بعض الأزواج اكتشفوا في رمضان أن الصيام يكشف الطباع أكثر مما يخفيها، ومع كل نقاش بسيط يتحول الإفطار إلى جلسة مفاوضات غير مباشرة.

وسالفة الضمان الاجتماعي لا تنتهي… أحاديث في المجالس، وتحليلات في الدواوين، وخبر يتبعه خبر، حتى صار المواطن خبيرًا اقتصاديًا بين صلاة التراويح والسحور.

أما المسلسلات الرمضانية، فتشاهد الحلقة فلا تميّز بين البطل والشرير، ولا بين الماضي والحاضر. حبكات متداخلة لدرجة أنك تحتاج خريطة ذهنية لتفهم من تزوّج من، ومن خان من، ومن عاد فجأة إلى الحياة! فتجد تيم حسن يخرج عن النص ويتقمص شخصية ياسر العظمة، وكاريس بشار تتقمص شخصية سارية السواس، وعشرات المسلسلات التي تأخذك أحداثها في دوامة لا تنتهي.

وعلى الصعيد العائلي، انتصارات ساحقة لحزب الزوجات والكنائن ضد البنات، ومعارك باردة تحت عنوان: مين ساعد أكثر بالمطبخ؟ وانقطاع صلة رحم بين بعض العائلات التي لا تفرّق أصلًا بين شعبان ورمضان.

باختصار… رمضان هذا العام ليس شهرًا عاديًا، بل موسم أحداث متسارعة وأخبار غريبة ودراما يومية تفوق الخيال. ومع ذلك، يبقى الأمل أن يعود الميزان إلى اعتداله، وأن نتذكر أن رمضان وُجد للطمأنينة لا للتوتر، ولصلة الرحم لا لقطعها.

أكتفي بهذا القدر… لأنني إن أكملت، ممكن أزعل كثير ناس وقد أحتاج إلى بيان توضيحي رسمي بعد الإفطار!



عدد المشاهدات : (4740)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :