بورتريه: مازن القاضي وهيبة المجلس


رم -
فارس كرامة

في لحظات مفصلية من عمر المؤسسات، لا تحتاج الدولة إلى مدير جلسة، بل إلى قائد، تحتاج إلى شخصية تمتلك من الصرامة ما يحفظ النظام، ومن الحكمة ما يحمي التوازن، ومن الحزم ما يمنع الانفلات، وفي رئاسة مجلس النواب، برز اسم مازن القاضي كعنوان لهذه المرحلة.

منذ انتخابه رئيساً لمجلس النواب في أكتوبر 2025، لم يكن حضوره شكلياً أو بروتوكولياً، بل كان حضور قائد يعرف معنى المؤسسة، جلس على المنصة بثقة هادئة، لكن واضحة، فأعاد للجلسات انتظامها، وللنقاشات وزنها، وللقبة هيبتها التي لا تحتمل التراخي.

القاضي قائد بما تحمله الكلمة من معنى، لا يسمح بتجاوز النظام الداخلي، ولا يقبل بمخالفة القانون تحت أي ظرف، صرامته ليست انفعالاً، بل التزام، وحزمه ليس تشدداً، بل حماية لهيبة المؤسسة، منذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أن مجلس النواب في عهده لن يكون ساحة فوضى أو منصة ارتجال، بل مؤسسة دستورية لها سقفها وحدودها وقواعدها الصارمة.

قاد النقاشات بأسلوب محترم وحضاري، مانحاً الجميع حقهم في التعبير، لكنه في الوقت ذاته لم يسمح بتحويل الحرية إلى تجاوز، يعرف أن الديمقراطية لا تكتمل إلا بالنظام، وأن الصوت الأعلى ليس بالضرورة الصوت الأحق، لذلك جاء أداؤه متوازناً بين الانفتاح والانضباط، بين الاستماع والحسم، بين المرونة والثبات.

خلفيته العسكرية والأمنية كانت عنصر قوة لا يمكن تجاهله في شخصيته القيادية، تخرّج في أكاديمية الشرطة الملكية عام 1980، وتدرج في مواقع أمنية حساسة، من إدارة مكافحة المخدرات، إلى قيادة شرطة العقبة، إلى قيادة قوات البادية الملكية، وصولاً إلى مديرية الأمن العام، أحد أهم مواقع القرار في الدولة، تلك الرحلة لم تكن مجرد مسار وظيفي، بل مدرسة صقلت شخصيته بالانضباط والدقة والقدرة على اتخاذ القرار في أصعب الظروف.

وعندما تولى وزارة الداخلية عام 2016، تعامل مع ملفات معقدة بروح رجل الدولة، لا بروح الإداري التقليدي، كان واضحاً أن الرجل يحمل رؤية تقوم على احترام القانون، وترسيخ هيبة الدولة، وتعزيز الاستقرار كأولوية وطنية.

جاء مازن القاضي من محافظة المفرق، لكنه لم يكن يوماً ابن منطقة فقط، بل كان ابن الأردن كله، حمل معه قيم البادية في الصدق والوضوح، وقيم المؤسسة في الانضباط والالتزام، وإيماناً عميقاً بالملك والقيادة الهاشمية، إيماناً يُترجم سلوكاً وأداءً لا شعارات.

في رئاسته للمجلس، وقف على مسافة واحدة من جميع النواب، لم ينحز لتيار، ولم يُحسب على طرف، كان رئيساً للجميع، وحَكماً عادلاً في إدارة النقاشات، ولهذا، حظي بإشادة واسعة من مختلف الكتل والاتجاهات، الذين وجدوا فيه رئيساً يحمي حقهم في التعبير، وفي الوقت ذاته يحمي صورة المجلس كمؤسسة دستورية راسخة.

اليوم، يمكن القول إن مجلس النواب في عهد مازن القاضي دخل مرحلة مختلفة، عنوانها الانضباط، وقاعدتها الاحترام، وسقفها القانون، أعاد للمجلس حضوره وهيبته، وأعاد للمنصة وقارها، وأثبت أن القيادة الحقيقية لا تحتاج إلى صخب، بل إلى شخصية ثابتة تعرف متى تتكلم ومتى تحسم.

مازن القاضي ليس مجرد رئيس مجلس نواب، بل نموذج لرجل دولة يقود المؤسسة بثقة، ويصون القانون بحزم، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وفي زمن تتطلب فيه المرحلة رجال قرار لا رجال مجاملة، كان القاضي على قدر المسؤولية، فاستقامت القبة واستعاد المجلس مكانته.



عدد المشاهدات : (5448)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :