رم - بقلم: أ.د. خالد واصف الوزني
في ظل التطورات الجيوسياسية، وفي ظل التطورات العالمية التي تشهدها مرتكزات التبادل التجاري الحالية والقائمة على سياسات الحمائية الجديدة، باتت دول العالم المتقدمة قبل الناشئة تبحث عن ملاذات آمنة، لا للاستثمار الخارجي فحسب، بل لاستكمال حلقات الانتاج الوطني، عبر إعادة بناء سلاسل الإنتاج نحو البديل الأكثر أمناً، وليس الأرخص كلفة أو سعراً. ما يمرُّ به العالم اليوم ليس مجرد اضطرابات في سلاسل الإمداد، بل هو إعادة رسم عميقة لخرائط الإنتاج والتجارة والاستثمار، في ظل مسيرة بدأها وباء كورونا، وتفاقمت منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وامتداداً لما تمرُّ به منطقتنا من طبول حرب، واستعراض للقوة، واحتمالات زخم تطور المواجهة عسكرية مع إيران.
وبالرغم من أنَّ ما أحدثته العولمة بنسختها الكلاسيكية من تعظيم للكفاءة عبر بوابة توزيع المكاسب من خلال تخصيص الإنتاج وفق الميزة النسبية المقرونة بالميزة التنافسية، فإنَّ جائحة كورونا كشفت هشاشة ذلك النموذج، لتأتي بعدها الحرب الروسية الأوكرانية وتكشف للعالم الدور الأهم للطاقة والحبوب والممرات البحرية كأدوات ضغطٍ استراتيجية في تقسيم العمل الدولي، وفي تحقيق الوصول إلى التشغيل والإنتاجية للدول. واليوم مع تصاعد الأزمة في المنطقة العربية، وعلى حدودها، وبروز أطماع أصحاب استعراض القوة في المنطقة ومن خارجها وبشكل سافر، فإنَّ السؤال المحوري حول الإنتاج في المنطقة، بل وفي العالم، لم يَعُدْ اقتصادياً بحتاً، بل جيوسياسياً في جوهره: أين نُنتج؟ ومع مَن نتاجر؟ وعلى أيِّ الممرات نعتمد؟
في هذا السياق برزت مفاهيم التحالف الإنتاجي الجديدة، مثل ما بات يُسمّى nearshoring وfriend-shoring وreshoring، وهي مصطلحات تقوم على فكرة البحث عن حليف الإنتاج الأقرب، أو حليف الإنتاج الأصدق، أو إعادة توطين الإنتاج بكامل مكوّناته من مواد خام وقيمة مضافة. بيد أن تلك المفاهيم تعني في جوهرها تقصير سلاسل القيمة، والانتقال من الامتداد العالمي الواسع إلى الشبكات الأقصر والأكثر موثوقية سياسياً. والشاهد هنا أنَّ أكبر المستثمرين، والشركات العالمية، لم تَعُدْ أولوياتها فقط في البحث عن اليد العاملة الرخيصة، بل في الإنتاج ضمن بيئة أكثر استقراراً، وأقل عرضة للعقوبات، والأبعد عن الانقطاعات أو المخاطر العسكرية.
الجغرافيا لم تَعُدْ مجرد عامل من العوامل المحددة مسبقاً للاقتصاد، بل باتت أداة استراتيجية تحتِّم على الدول والحكومات الحصيفة أن تستثمرها وتأخذها ضمن حساباتها الإنتاجية والاستثمارية. الممرات البحرية، المضائق، خطوط الطاقة، شبكات البيانات، وحتى التحالفات العسكرية، باتت عناصر يصعب استبعادها من حسابات الاستثمار، سواء في عملية جذب الاستثمارات الجديدة، أو في مجال توسعة وتحفيز الاستثمارات القائمة، بل لعلَّ الجغرافيا اليوم تُعَدُّ من أهمِّ عوامل التنافسية الاقتصادية للدول، ذلك أنّه في عالم تُفرَض فيه عقوبات خلال ساعات، وتُغلَق فيه موانئ خلال أيام، لا يمكن لرأس المال أن يبقى محايداً.
ومن جهة أخرى، باتت الجغرافيا تفرض كلفاً اقتصادية ضخمة أحياناً، وخاصة عند الحديث عن التكاليف التي قد تُفرَض على عمليات النقل والتزويد والإمداد عبر ما يُعرَف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية، والتي باتت اليوم تشكِّل أحد أهم الضغوط على كُلف الإنتاج، بل محركاً مهماً لما يُسمّى تضخم دفع التكاليف. هذا الارتفاع لا يقتصر أثره على الدول المستوردة، بل يمتد إلى سلاسل القيمة الصناعية، وتكاليف الشحن، ومعدلات التضخم العالمية، بل حتى إلى قرارات البنوك المركزية بشأن الفائدة. وهنا تتضح خطورة اللحظة: فالاقتصاد العالمي، الذي يحاول الخروج من تباطؤ النمو، قد يجد نفسه أمام صدمة تضخمية جديدة تُعيد تشكيل أولوياته وتسرِّع انتقاله نحو خرائط إنتاج ضمن تحالفات أكثر أمناً وأقل تعرضاً للممرات الحساسة.
أمام هذا المشهد، يبرز سؤال حاسم للمنطقة العربية: هل نكون ضحية لهذه التحولات أم فاعلين فيها؟
الموقع الجغرافي للمنطقة، ومواردها الطاقية، وقدراتها اللوجستية، وتركيبتها السكانية الشابة يمنحها فرصة نادرة لتكون عقدة مركزية في الجغرافيا الاقتصادية الجديدة. لكن هذه الفرصة مشروطة بالتحوُّل من دور الممر إلى دور الشريك في سلاسل القيمة، ومن اقتصاد يعتمد على تقلبات الخارج إلى اقتصاد يبني تحالفاته واستثماراته وفق رؤية استراتيجية واضحة. الجغرافيا الاقتصادية الجديدة لا تعني نهاية العولمة، بل تعني انتقالها من منطق الكفاءة المطلقة إلى منطق التوازن بين الكفاءة والأمن.
أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة
كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية