رم - الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
تُعدّ رواية صديقنا المشترك من آخر ما كتب الروائي الإنجليزي الكبير تشارلز ديكنز، وقد نُشرت متسلسلة بين عامي 1864 و1865، لتشكّل خلاصة ناضجة لرؤيته النقدية للمجتمع الفيكتوري. في هذا العمل يضع ديكنز المال في مركز المشهد، لا بوصفه وسيلة عيش فحسب، بل قوة تُعيد تشكيل العلاقات والطبقات والقيم، حتى يكاد الإنسان يُقاس بوزنه من الذهب لا بوزنه الأخلاقي.
تنطلق الرواية من وصية غامضة يتركها الثري العجوز جون هارمون، إذ يربط إرثه بزواج ابنه من شابة تُدعى بيلا ويلفر. غير أن الابن يختفي في ظروف ملتبسة، ويُعثر على جثة يُظن أنها جثته، فتتشابك المصالح وتتحرك الشخصيات في دوائر من الشك والطمع والترقب. هذه البداية المشوّقة ليست مجرد حبكة بوليسية، بل مدخل رمزي لعالم تُحرّكه الثروة حتى بعد الموت، وتستمر فيه السلطة المالية في التحكم بمصائر الأحياء.
يقدّم ديكنز لندن بوصفها فضاءً مزدوجًا؛ مدينة تعجّ بالحركة والفرص، لكنها في الوقت ذاته مسرح للتفاوت الطبقي الحاد. من الأحياء الراقية إلى ضفاف النهر حيث تتكدّس النفايات، تتجاور الصور المتناقضة، في إشارة إلى أن المجتمع نفسه يقوم على طبقات مرئية وأخرى خفية. حتى “أكوام القمامة” التي تشكّل ثروة بعض الشخصيات تتحول إلى رمز بليغ؛ فالقيمة الاقتصادية قد تنبثق من أكثر الأشياء احتقارًا، تمامًا كما قد يتوارى الفساد خلف مظاهر الاحترام الاجتماعي.
في قلب الرواية تقف شخصية بيلا ويلفر، التي تبدأ شابة مفتونة ببريق المال، ترى في الزواج وسيلة للترقي الاجتماعي. غير أن تطور الأحداث يقودها إلى مراجعة عميقة لذاتها، فتكتشف أن الثروة التي لا يرافقها احترام ومحبة تُفضي إلى فراغ داخلي. هذا التحول ليس عاطفيًا سطحيًا، بل مسار أخلاقي يعكس رؤية ديكنز لإمكان التغيير الإنساني. فالشخصيات لديه لا تُختزل في خطيئة دائمة، بل تُمنح فرصة لاختبار ضمائرها.
ومن خلال شخصية جون روكسميث، الذي يخفي هويته الحقيقية، يطرح ديكنز سؤال الهوية المرتبطة بالمال. هل تتحدد قيمة الإنسان بما يملك أم بما يكونه في جوهره؟ حين يختبر روكسميث الآخرين وهو متخفٍ، تتكشف حقيقة مشاعرهم بعيدًا عن إغراء الإرث. هنا تتبدى عبقرية البناء السردي؛ إذ يجعل الكاتب القارئ شريكًا في لعبة الكشف، فيدرك أن الامتحان الحقيقي للشخصيات لا يكمن في فقرها أو غناها، بل في اختياراتها.
الرواية أيضًا نقد اجتماعي لاذع لمؤسسة الزواج حين تتحول إلى صفقة. العلاقات التي تُبنى على حسابات الربح تبدو هشّة، قابلة للانهيار أمام أول اختبار أخلاقي. في المقابل، يُبرز ديكنز نماذج من الوفاء الإنساني البسيط، ليؤكد أن القيم لا تحتاج إلى ثروة كي تزدهر. ومن خلال شخصيات ثانوية مرسومة بعناية، يرسم لوحة واسعة للمجتمع، حيث تتقاطع مصائر الأفراد بفعل خيط غير مرئي هو المال.
إذا نُظر إلى العمل في سياقه التاريخي، فإنه يعكس تحولات إنجلترا الصناعية في القرن التاسع عشر، حيث تصاعد نفوذ رأس المال وبرزت طبقة جديدة تسعى إلى تثبيت مكانتها. غير أن الأسئلة التي يطرحها النص تتجاوز زمنه. عالم اليوم، رغم اختلاف أدواته، ما يزال يواجه معضلة تقديس الثروة وتضخيم صورتها بوصفها معيار النجاح الأوحد. وسائل التواصل الحديثة، وثقافة الاستهلاك، والمكانة الاجتماعية المرتبطة بالمظاهر، جميعها امتداد معاصر لذلك الهوس الذي رصده ديكنز بدقة.
أحد أبرز دروس الرواية أن المال، في ذاته، محايد؛ غير أن خطورته تكمن في تحوله إلى مرجعية أخلاقية بديلة. حين يصبح معيار الحكم على البشر، يختل ميزان العدالة. كما تؤكد أن الهوية الحقيقية تُختبر في الخفاء، في اللحظات التي يغيب فيها الرقيب الاجتماعي. من هنا تكتسب فكرة “الصديق المشترك” بعدًا رمزيًا؛ فالميراث الذي يجمع الشخصيات يكشف معادنها، ويُظهر أن الرابط الحقيقي بين الناس ليس المال، بل القيم التي يختارون الانحياز إليها.
أسلوبيًا، تتسم الرواية بتعقيد بنيوي وتعدد في الخطوط السردية، ما يعكس نضج تجربة ديكنز. الحوار يحمل نبرة ساخرة أحيانًا، وتأملية أحيانًا أخرى، بينما الوصف يوازن بين الواقعية والرمزية. هذا المزج يمنح النص قدرة على الجمع بين المتعة الحكائية والعمق الفكري.
في المحصلة، تقف “صديقنا المشترك” عملًا أدبيًا يتأمل علاقة الإنسان بالثروة، ويُحذّر من اختزال القيمة الإنسانية في أرقام. إنها دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يظل المال في موقع الوسيلة لا الغاية، وتبقى الكرامة والصدق والمحبة الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات. بذلك يثبت ديكنز أن الأدب ليس مرآة للمجتمع فحسب، بل أداة مساءلة أخلاقية، قادرة على إيقاظ الوعي كلما انجرف نحو بريق زائل.