مدفع رمضان


رم -
عاطف أبو حجر

عندما كنّا أولادًا صغارًا، كان لرمضان نكهةٌ مميزة، كان الشهر يهبط علينا كما تهبط بركة المطر على الأرض العطشى، فنرتّب أيامنا على إيقاع الجوع، ونعلّق قلوبنا على لحظةٍ واحدة: دويّ مدفعٍ يعلن أن الصبر قد نضج.

إنّ لتلك اللحظة طقسًا يكاد يكون أسطوريًا؛ وقبل أذان المغرب بساعة، كان أولاد الحارة يتجمّعون أمام مخبز العمّ أبو جمال، يحمل كلٌّ منّا طبليةً تعلوها أقراص العجين التي أعدّتها أمّهاتنا بمحبةٍ تساوي محبةَ الأمهات لأبنائهنّ حين يعودون من حربٍ صغيرة اسمها “الصيام”.

هناك، كنّا ننتظر العمّ أبو الرجا، سيّد اللحظة وحارس التوقيت، المسؤول عن إطلاق مدفع رمضان في العيزرية. كانت العيزرية، في مخيّلتنا الطفولية، مركز الكون، ومنها ينطلق الصوت المهيب الذي يشقّ السماء شقًّا، متزامنًا مع زقزقة عصافير بطوننا.

كنّا نحدّق في الأفق وكأننا نترقّب هبوط مركبةٍ فضائية، مع أنّ كلّ ما ننتظره فتيلٌ وملحُ بارودٍ وثقوبٌ في الصخور. ومع ذلك، كان الصوت يعرف طريقه إلى قلوبنا قبل آذاننا. بعضنا كان يدّعي أنه رأى شرارة المدفع، وآخر يقسم أنه شمّ رائحة البارود من بعيد؛ وكلّنا كنّا نبالغ، لا لأننا كذّابون، بل لأن الفرح حين يكون صادقًا يطلب قليلًا من الخيال ليكتمل.

ثمّ—وكما تفعل الحياة دائمًا—تغيّر المشهد. رحل العمّ أبو الرجا، وخفَت الصوت الذي كان يملأ السماء حضورًا، وبعد سنوات، تطوّرت الأمور، وصار هناك مدفعٌ حقيقيٌّ منصوبٌ في أعلى ساحة قلعة السلط بإشراف الجيش، بطلاءٍ رسميّ، وإجراءاتٍ منظّمة، وصوتٍ مدروسٍ بدقّة. لكن، ويا للمفارقة، كلّما صار المدفع أكثر حداثةً، صارت قلوبنا أقلّ ضجيجًا. لم يعد أحدٌ يدّعي أنه رأى الشرارة، ولا شمّ رائحة البارود من آخر الدنيا. الأطفال اليوم لا ينتظرون المدفع؛ ينتظرون إشعار الهاتف الذي يعلن موعد الأذان بدقّةٍ لا تقبل الخطأ، وكأنّ التقنية قرّرت أن تُنهي علاقتنا الحميمة بالمفاجأة.

لقد تحوّل المدفع من طقسٍ شعبيٍّ بسيط، تصنعه الأيدي وتباركه النوايا، إلى فعاليةٍ رسميةٍ تُلتقط لها الصور وتُكتب عنها الأخبار. وبين “كان” و”وأصبح” مسافةٌ بحجم الحنين. لم نفقد المدفع، بل فقدنا تلك الرعشة التي كانت تسبق صوته، وتلك الركضة الجماعية نحو البيوت، وكأننا في سباقٍ مقدّسٍ عنوانه: “من يصل أوّلًا إلى طبق القطايف؟”

إنّ مدفع رمضان ليس بارودًا يُشعل، بل ذاكرةٌ تُوقد. وليس المهمّ أين يُنصب.
فإذا أردنا لرمضان أن يستعيد نكهته، فلنبحث عن المدفع في ذكرياتنا قبل أن نفتّش عنه فوق الأسوار. هناك فقط، حيث الجوعُ بريء، والفرحُ بسيط، والصوتُ—مهما كان بدائيًا—يعرف طريقه إلى القلب قبل الأذن.



عدد المشاهدات : (4040)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :