الستون… بداية عطاء لا نهاية عمل


رم - الدكتور نسيم أبو خضير


بين حقّ الإستمرار وكرامة التقاعد ليس من العدل أن يُختزل الإنسان في رقم ، ولا أن يُقاس عطاؤه بتاريخ ميلاده .
فالقول إن عمر الستين هو سنّ الإعتزال عن العمل قولٌ يحتاج إلى مراجعة عميقة ، لأن الواقع الإنساني والمهني يثبت يومًا بعد يوم أن كثيرًا من أصحاب الخبرة يبلغون ذروة نضجهم وعطائهم بعد هذا العمر ، لا قبله .
الستون ليست نهاية الطريق ،

الستون عامًا قد تكون بداية مرحلة جديدة من الحكمة والخبرة ، لا مرحلة إنطفاء . كم من طبيب ، وأستاذ ، وقاضٍ ، وإداري ، ومهنيّ متمرس ، وإعلامي مبدع ومتميز ، لا يزال قادرًا على الإنتاج والعطاء بنفس الكفاءة ، بل وبحكمة أعمق وإتزان أكبر .

العمل بعد الستين حقٌّ لمن أراد وكان قادرًا ، لا منّةً من أحد ، ولا عبئًا على الدولة أو المؤسسات .
لكن … التقاعد حق لا يجوز مصادرته .

وفي المقابل ، لا يجوز — أخلاقيًا ولا قانونيًا — حرمان العامل من حقه في التقاعد بحجة عدم بلوغه سن الخامسة والستين ، إذا كان قد أمضى عمره في العمل والإقتطاع والإلتزام .
التقاعد ليس صدقة ، بل هو حق مكتسب دفع ثمنه العامل من جهده وصحته وعرقه ، واقتُطع من راتبه شهرًا بعد شهر ، سنة بعد سنة .

إن ربط إستحقاق راتب التقاعد بسنّ أعلى ، رغم إكتمال الشروط التأمينية ، هو تحميل للعامل _ الموظف _ ما لا يحتمل ، ومساس مباشر بأمنه الإجتماعي ومعيشته وكرامته الإنسانية .

بين الحقين … ميزان العدالة
العدالة الحقيقية تقوم على معادلة واضحة :
من يرغب بالإستمرار في العمل بعد الستين وقادر صحيًا ومهنيًا ، فليُمنح الفرصة دون تمييز .
ومن يرغب بالتقاعد وقد إستكمل شروطه ، فلا يجوز تعطيل حقه أو تأجيله أو ربطه بعمرٍ آخر .
إن الفصل بين سنّ العمل وحق التقاعد ضرورة تشريعية وإنسانية ، تضمن حرية الإختيار ، وتحمي الإستقرار الإجتماعي ، وتمنع الظلم الصامت الذي يتسلل إلى بيوت العاملين عند لحظة الحاجة .
الضمان الإجتماعي … الأمان الذي نريده .

لقد أُنشئت المؤسسة العامة للضمان الإجتماعي لتكون صمّام أمان للمواطن ، لا مصدر قلق له .
والضمان الحقيقي لا يكون بتقييد الحقوق ، بل بحمايتها ، ولا يتحقق بتأجيل الإستحقاق ، بل بتكريسه حين يكتمل .
في النهاية أقول الستون ليست سنّ إعتزال …
لكن التقاعد حق ،

والحق إذا تأخر صار ظلمًا ،
وإذا مُنع صار قهرًا .
فلنُنصف الإنسان في عمله ،
ونحفظ كرامته في تقاعده ،
فالأوطان تُبنى بالعدالة ،
وتحيا بأحترام من أفنوا أعمارهم في خدمتها .




عدد المشاهدات : (4175)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :