رم - تُعدّ الشركة القابضة من أبرز الأدوات القانونية في تنظيم الاستثمارات وإدارة المجموعات الاقتصادية، ولا سيما في الدول التي تستهدف جذب الاستثمار وتوفير هياكل مرنة لإدارة الملكية والمخاطر، فطبيعتها تختلف عن الشركات التشغيلية؛ إذ لا تمارس نشاطًا اقتصاديًا مباشرًا، بل تُؤسس لتملك حصص أو أسهم في شركات أخرى تسمى "الشركات التابعة"، وإدارة هذه الشركات والإشراف عليها ماليًا وإداريًا، لذلك يفترض أن يعكس تنظيمها القانوني هذه الطبيعة الخاصة.
نظّم قانون الشركات رقم (22) لسنة 1997 أحكام الشركة القابضة، وعرّفها في المادة (204) باعتبارها شركة مساهمة عامة تمارس السيطرة المالية والإدارية على شركة أو شركات تابعة، ورغم وضوح تعريفها وغاياتها، إلا أن الإشكالية الجوهرية تكمن في حصر الشكل القانوني للشركة القابضة بالمساهمة العامة فقط. هذا الحصر يفرض متطلبات رأسمالية وتنظيمية مرتفعة، صُممت في الأصل للشركات الكبرى أو الشركات المدرجة في الأسواق المالية، ولا تتلاءم بالضرورة مع طبيعة العديد من الشركات القابضة التي يكون دورها تنظيميًا إداريًا بحتًا، فالمستثمر الذي يسعى إلى إنشاء هيكل قابض لإدارة استثمارات محلية أو إقليمية أو عائلية، أو لتنظيم مجموعة شركات متوسطة الحجم، لا يحتاج بالضرورة إلى إطار مساهمة عامة بكل ما يرتبط به من التزامات وإجراءات، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لم تسجل أي شركة مساهمة عامة و/أو قابضة منذ ما يزيد على خمسة عشر عاماً في الأردن، الأمر الذي يتطلب من مشرعنا ضرورة تدارك الأمر.
كما أن المادة (206/ب) نصت على إصدار نظام خاص ينظم أحكام الشركات القابضة والشركات التابعة لها، إلا أن هذا النظام لم يصدر حتى تاريخه حسب علمنا واطلاعنا، ما يترك فراغًا في المسائل القانونية المتعلقة بتنظيم العلاقة بين الشركة القابضة والشركات التابعة لها.
وعند النظر إلى التشريعات المقارنة نجد مرونة كبيرة في أشكال الشركات القابضة بخلاف الوضع في الأردن، ففي دولة الإمارات يجوز تأسيس الشركة القابضة بأشكال قانونية متعددة، بما في ذلك كشركة ذات مسؤولية محدودة، وفي المملكة العربية السعودية أيضاً أجاز نظام الشركات الجديد تأسيس القابضة كشركة مساهمة أو مساهمة مبسطة أو كشركة ذات مسؤولية محدودة، وهذا يؤكد أن مرونة الشكل القانوني لا تعني التراخي التنظيمي، بل تعني مواءمة الأداة القانونية مع طبيعتها ووظيفتها الاقتصادية.
ومن هنا، فإن الإشكالية لا تتعلق بوجود تنظيم للشركة القابضة، بل بمدى ملاءمته للواقع الاستثماري الحديث، والحل يكمن في تطوير هذا التنظيم بدءًا بتعديل المادة (204)، بحيث لا يقتصر تسجيل الشركة القابضة على شكل الشركة المساهمة العامة، وإنما يُسمح بتأسيسها أيضًا كشركة مساهمة خاصة أو كشركة ذات مسؤولية محدودة، مع الإبقاء على القيود المرتبطة بطبيعة نشاطها ومنعها من ممارسة النشاط التشغيلي المباشر، فالشركة القابضة ليست غاية بذاتها، بل أداة لتنظيم الاستثمار، وكلما كان تنظيم هذه الأداة أكثر انسجاماً مع طبيعتها وأقل تقييدًا بشكلها القانوني، كان أثرها أكبر في تعزيز بيئة الأعمال وجذب الاستثمار وتنظيمه بكفاءة واستقرار.
المحامي قيس الفريحات
باحث دكتوراة في القانون الخاص
مختص في تشريعات الشركات والاستثمار