حين يصبح المستقبل التقاعدي سؤالًا مفتوحًا


رم -

كتب خالد الزبون
لم يعد الحديث عن تعديل قانون الضمان الاجتماعي مجرد نقاش تقني بين خبراء الأرقام واللوائح، بل تحوّل إلى قضية تمسّ جوهر الشعور بالأمان لدى المواطنين. فالمستقبل التقاعدي ليس تفصيلاً إدارياً يمكن التعامل معه ببرود، بل هو خلاصة سنوات طويلة من العمل والاقتطاع والانتظار المشروع لحياة كريمة بعد انتهاء القدرة على الكسب.

التعديلات المطروحة تُقدَّم تحت عنوان الاستدامة المالية، وهو هدف لا يمكن التقليل من أهميته في أي نظام تأميني. غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في مبدأ الاستدامة بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُعاد بها توزيع الأعباء لتحقيقها. فحين يشعر المشترك أو المتقاعد أن كلفة الإصلاح تقع عليه أولاً، تتراجع الثقة وتتقدم المخاوف، مهما كانت المبررات الفنية مقنعة على الورق.

الأكثر إثارة للتساؤل هو محدودية الحوار المجتمعي المسبق حول هذه التعديلات. فالضمان الاجتماعي ليس شأناً حكومياً خالصاً، بل عقد اجتماعي واسع تشارك فيه فئات المجتمع كافة. وأي مساس بتوازن هذا العقد دون نقاش شفاف وعميق يفتح الباب أمام شعور عام بالإقصاء، ويحوّل الإصلاح من فرصة لتعزيز الثقة إلى مصدر جديد للقلق.

كما أن توقيت التعديلات لا يمكن فصله عن الواقع الاقتصادي الضاغط. ففي لحظة ترتفع فيها تكاليف المعيشة وتتزايد الهشاشة الوظيفية، كان المنتظر توسيع مظلة الحماية لا تضييقها، وتعزيز الطمأنينة لا تأجيلها. فالأمان الاجتماعي ليس ترفاً مالياً، بل شرط أساسي للاستقرار المجتمعي والاقتصادي معاً.

إن حماية منظومة الضمان تتطلب رؤية أشمل من مجرد تعديلات قانونية سريعة. تبدأ هذه الرؤية بتوسيع قاعدة المشتركين، ومكافحة التهرب التأميني، وتحسين كفاءة الاستثمار، وربط السياسات التأمينية بسياسات تشغيل حقيقية تُنتج فرص عمل مستدامة. عندها فقط يمكن الحديث عن استدامة عادلة لا يشعر معها المواطن بأنه الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاح.

في النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء ثقيل: هل نحن أمام إصلاح يعزز الثقة بالمستقبل، أم إجراءات مالية تؤجل القلق ولا تعالجه؟
الإجابة لن تُقاس بنصوص القانون، بل بمدى شعور الناس بأن مستقبلهم التقاعدي لم يعد سؤالاً مفتوحاً




عدد المشاهدات : (4086)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :