الدكتور واصل المشاقبة
يشكل الضمان الاجتماعي في الاردن احدى الركائز الاساسيه للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فهو يدير حقوق ١٬٦٤٦٬٣٧٤ مشتركاً فعالاً، و٣٩٦٬٨٩٢ متقاعداً تراكمياً، و١١٢٬٧٧٩ منتسباً اختيارياً وفق احدث بيانات المؤسسة. هذه الارقام ليست مجرد مؤشرات تشغيلية. انها تمثل الامن الاقتصادي لقرابة مليوني اسرة. ولذلك فان اي تعديل في سن التقاعد او المنافع او هيكل الحوكمة ليس تفصيلاً فنياً، بل قراراً سيادياً يمتد أثره لعقود. ومع ذلك، تُدار التعديلات الاخيرة بعقلية ملف اداري لا بعقلية مؤسسة وطنية تدير اموالاً الزامية للناس.
لقد اقر مجلس الوزراء الاسباب الموجبة لمشروع قانون معدل لقانون الضمان لعام ٢٠٢٦، متضمناً تغييرات جوهرية في سن التقاعد، وعدد الاشتراكات، وشروط الاستحقاق، وشمول فئات جديدة، وتشديد الغرامات، وتعديل هيكل الحوكمة على غرار نموذج البنك المركزي؟؟. ورغم حجم هذه التغييرات، ورغم اثرها المباشر على مسار الاستدامة المالية، لم تُنشر اي دراسة اثر مالي او اكتوارية تبيّن انعكاس هذه القرارات على نقاط التعادل او الالتزامات طويلة الاجل. وهذا الغياب ليس تفصيلاً إجرائياً، بل ثغرة جوهرية تمس اساس الاصلاح نفسه.
الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة حددت بوضوح نقطة التعادل الاولى في عام ٢٠٣٠ والثانية في عام ٢٠٣٨، وهما لحظتان حاسمتان تحددان الانتقال من فائض الى عجز. هذه ليست ارقاماً عابرة بل انذارات زمنية دقيقة. ومع ذلك، يتضمن مشروع القانون تعديلات تعيد رسم المسار المالي للصندوق بالكامل من رفع سن الشيخوخة تدريجياً حتى ٦٥ للذكور و٦٠ للاناث، الى رفع عدد الاشتراكات المطلوبة للتقاعد الوجوبي من ١٨٠ الى ٢٤٠، وتثبيت التقاعد المبكر كاستثناء مع اشتراط ٣٦٠ اشتراكاً، وتعديل شروط المهن الخطرة، وشمول فئات جديدة إلزامياً، وزيادة الرواتب التقاعدية المنخفضة، وتغيير آليات الحوكمة. كل بند من هذه البنود يغير الفرضيات التي بُنيت عليها الدراسة الاكتوارية السابقة مثل متوسط العمر المتوقع، معدل الاعالة، مسار الاجور، حجم الالتزامات المستقبلية، توقيت العجز، كلفة المنافع الجديدة، اثر رفع سن التقاعد على التدفقات النقدية، واثر شمول فئات جديدة على جانب الايرادات. ومع ذلك، لا توجد اي ارقام منشورة تبين اثر هذه التعديلات على نقاط التعادل الجديدة. كيف يمكن لحكومة ان تعلن مشروع قانون بهذا الحجم دون نشر تحليل اكتواري محدث؟ وكيف يُطلب من الناس قبول تغييرات تمس مستقبلهم دون ان يروا اثرها بالأرقام؟ ان تجاهل هذا الحق ليس مجرد نقص في الافصاح، بل اخلال صريح بمتطلبات الادارة الرشيدة.
الحوار الوطني الذي قاده المجلس الاقتصادي والاجتماعي في اطار دوره المؤسسي خطوة مقدرة، لكنه لا يعوض غياب التحليل المالي. فالاستدامة لا تُحسم بالآراء بل بالمعادلات. ورغم ان الحكومة تقول ان المشروع يعزز الاستدامة التي كلنا نسعى إليها، الا انها لم تنشر اي سيناريوهات بديلة ولا تحليل حساسية، ولا اثر رفع سن التقاعد على الالتزامات، ولا اثر زيادة الرواتب التقاعدية المنخفضة، ولا اثر شمول فئات جديدة، ولا اثر تشديد الغرامات، ولا اثر تعديل شروط المهن الخطرة. الانتقال من نقاش عام الى مشروع قانون دون نشر هذه الارقام يضع القرار في خانة الارتجال، ويحول الحوار الى غطاء سياسي لا اكثر، وهذا ما لا نقبل به.
والشفافية في هذا الملف ليست مطلباً شكلياً ولا قيمة تجميلية، بل هي الشرط الوحيد الذي يسمح للمجتمع بان يرى الصورة كاملة ويقيّم مصداقية القرارات. فمؤسسة الضمان التي تُدار اموالها من اقتطاعات الزامية لا تملك ترف العمل خلف الابواب المغلقة ولا تملك الحق في مطالبة الناس بالثقة من دون ان تقدم لهم البيانات التي تُبنى عليها القرارات. ان غياب الافصاح عن الاثر المالي للتعديلات، وغياب نشر الفرضيات التي استندت اليها الحكومة، وغياب اي وثيقة تشرح كيف ستتغير الالتزامات طويلة الاجل، كلها مؤشرات على ان الشفافية لم تكن جزءاً من منهجية العمل. والمؤسف ان هذا الغياب لا يضعف الثقة فحسب، بل يخلق فراغاً معلوماتياً يسمح بتضارب الروايات، ويجعل المؤسسة تبدو وكأنها تتجنب المكاشفة بدلاً من ان تقودها. ان الشفافية ليست عبئاً على الضمان، بل هي الضمان الحقيقي لاستدامته.
اما مجلس ادارة الضمان، فدوره اشرافي وتنفيذي ضمن القانون القائم، وليس مشرعاً ولا مفوضاً بتغيير قواعد اللعبة. ومع ذلك، لا يعرف الاردنيون حتى الآن ما الذي تضمنته التوصيات التي رفعها المجلس ولا ما الأساس الحسابي الذي استندت اليه، ولا ما اثرها المالي، ولا ما علاقتها بنقاط التعادل، ولا ما حجم الالتزامات الجديدة الناتجة عنها. الضمان يُدار بمدخرات الزامية، لا باموال حكومية. واي محاولة لتمرير تغييرات جوهرية تحت عنوان توصيات تُمرر خارج اطار الحوكمة تمثل تجاوزاً خطيراً على مبدأ الادارة الرشيدة، وتكشف ذهنية ادارية تتعامل مع مؤسسة الضمان كذراع تابعة للسلطة التنفيذية لا كأمانة ادخارية مستقلة تُدار بمعايير الحوكمة والمسؤولية.
المسار الدستوري لاي تعديل يجب ان يبدا بدراسة اثر مالي شاملة ثم سيناريوهات متعددة، ثم تحليل حساسية، ثم مراجعة قانونية، ثم نقاش عام مستند الى بيانات منشورة، ثم احالة الى السلطة التشريعية. القفز فوق هذا التسلسل او ضغطه زمنياً هو تقويض للتشريع، واضعاف للثقة العامة، وتحميل للاجيال القادمة كلفة قرارات لم تُحسب بدقة.
ان ما يجري اليوم في ملف الضمان الاجتماعي لا يمكن وصفه بأنه اصلاح. بل هو ادارة مرتجلة لملف سيادي يحتاج الى اعلى درجات الانضباط العلمي. فغياب التحليل الاكتواري عن مشروع قانون بهذا الحجم ليس مجرد ثغرة، بل مؤشر على ان ادارة المؤسسة والفريق الاقتصادي الوزاري المشرف على هذا الملف يتعاملان مع منظومة الضمان بعقلية ادارية تقليدية لا تليق بمؤسسة تدير مدخرات الناس. ان القرارات التي تُرفع بلا بيانات، والتوصيات التي تُعلن بلا نماذج، والتعديلات التي تُدفع بلا سند مالي معلن، تكشف عن ضعف مهني لا يمكن تجاهله. والاخطر ان هذا الضعف يُدار بثقة زائفة، وكأن الانطباع السياسي يمكن ان يحل محل الحسابات الاكتوارية. ان ادارة الضمان ليست مساحة للتجريب ولا مجالاً لاختبار الفرضيات غير المدعومة بالارقام. ومن يصر على ادارة هذا الملف بهذه الطريقة يتحمل مسؤولية مباشرة عن اضعاف الثقة العامة، وعن تعريض اهم شبكة امان اقتصادي في الدولة لمخاطر لا يمكن تبريرها. الضمان الاجتماعي اكبر من الاشخاص، واكبر من الحكومات، واكبر من اي فريق اقتصادي. ومن لا يدرك ذلك لا ينبغي ان يكون في موقع القرار.
حمى الله اردننا الحبيب وقيادته الهاشمية الكريمة.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |