رم - صالح الراشد
تتميز إيران بادارة نفوذها الإقليمي وعلاقاتها الدولية عبر صناعة توازنات معقّدة ومدروسة تغنيها عن المواجهات المباشرة، عبر بنائها شبكة نفوذ متعددة الطبقات تخلق توازن وردع ومساومة، كونها تدرك ان اعتمادها على القوة العسكرية التقليدية لا يمنحها القدرة على مواجهة القوى العالمية الأكبر والمتمثلة بالولايات المتحدة وحلف الناتو، لترسم الحكومة الإيرانية هندسة التوازنات بدقة عالية لضمان ثلاثية البقاء في السلطة وإبعاد الخطر عن أراضيها وتنوع الرد، ليكون بناء هندسة التوازنات من الداخل للخارج.
فصنعت توازن في الحكم بين المرشد الأعلى، الحكومة، للحرس الثوري، التيار الإصلاحي والمحافظ، فرغم ان المرشد هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة إلا ان النظام منح البقية هوامش سياسية لتجنب الغضب والضغط الشعبي المتزايد بعد فرض الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية، لتكون موجة الغضب سبباً في التدخل السياسي الأمريكي تحت شعار حقوق الإنسان، كما صنعت طهران توازن إقليمي متماسك تمثل بوحدة الساحات التي أصبحت تشكل العمق الاستراتيجي لإيران بعد توسيع نفوذها ضمن حدود الدول الأخرى، فأوجدت حزب الله في لبنان، فصائل في العراق، النظام السوري، الحوثيين في اليمن وبعض الفصائل الفلسطينية، والغاية الرئيسية أن يكون الرد متنوعاً في حال تعرض إيران لهجوم عسكري، وتخلق هذا الفصائل طوق ردع حول الكيان الصهيوني وجعل مواجهاتها العسكرية خارج الأراضي الإيرانية، إضافة لامتلاك أوراق ضغط ضد الولايات المتحدة التي تعاقب طهران.
وأجادت طهران فنون اللعبة الدولية والتوازنات الدولية، وتعلمت من سياسة معاوية بن أبي سفيان رغم كراهية النظام له بالمحافظة على حبال التواصل بعدم قطع الحبل مع أحد، لنجد أنها لم تقطع تواصلها مع الغرب بالكامل ولا تعتمد على الشرق بالكامل، فوازنت بين علاقتها مع الصين وروسيا والدول الأوروبية والولايات المتحدة، وبالتالي صنعت لنفسها مقعد للتفاوض بقوة حول ملفها النووي دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة، لتمارس طهران سياسة “الحافة دون السقوط”، كونها تتحرك تحت غطاء الضربات غير المباشرة والحروب بالوكالة، وإن تحركت تكون عملياتها محدودة حتى تتجنب حربًا شاملة مباشرة.
لقد نجحت طهران بفضل هندسة التوازنات بتحقيق العديد من أهدافها المتمثلة بحماية النظام وتجنب العزلة الكاملة وفرض نفسها كقوة إقليمية، والأهم بالنسبة للقيادة الإيرانية هو ضمان بقاء النفوذ في الدول المجاورة حتى لو تغيرت الأنظمة الحاكمة حتى تضمن تعقيد حسابات الولايات المتحدة، ولزيادة تعقيد الأمور تستغل إيران التوازن الاستراتيجي حول مضيق هرمز والخليج العربي ويشكلان الممر الحيوي لنفط العالم وإغلاق المضيق سيُلحق ضغطًا اقتصاديًا وسياسيًا على أمريكا وحلفائها مما يجعل من الصعوبة بمكان التدخل العسكري، كون طهران بموقعها الجيوسياسي تملك هندسة التوازن بين الرد العسكري والضغط الاقتصادي، وهو ما يجعل واشنطن تفكر ملياً قبل الإقدام على اي تصرف، لا سيما أن طهران تملك الدبلوماسية كجزء من التوازن لتفادي أي صدام عسكري مباشر، وهذه الأمور مجتمعة تخفض من نسبة وقوع اشتباك واسع بين طهران وواشنطن.
وظهر واضحاً ان السياسيين الأمريكيين يُقيمون بالعقل لا بالتهديد تأثير التوازن الإيراني، فالولايات المتحدة لا ترى إيران تهديد نووي أو عسكري لوكلائها فقط، بل ان التهديد الفعلي يمكن في هندسة توازنات النجاة التي قامت بها والتحالفات الجيوسياسية، لتقوم واشنطن بتغيير تكتيكها من عسكرية بحتة إلى مزيج من العقوبات والضغط الدبلوماسي وتعزيز التحالفات الإقليمية لخلق توازن مضاد في المنطقة، لتمارس واشنطن في مواجهتها لطهران طريقك ردع لا تقوم على أداة واحدة، بل على مزيج متعدد المستويات يجمع بين القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والتحالفات، مع إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا لعل تكون فيه نجاة الجميع.
آخر الكلام:
تؤثر هندسة التوازنات الإيرانية على التهديدات الأمريكية وتزيد من تعقيد الإستراتيجية الأمريكية، مما يدفع واشنطن إلى مزيد من التوازن كون المواجهة المباشرة باهظة الكُلفة على الجميع.