كيف استفادت حركة حماس من تشكل اللجنة الوطنية " التكنوقراط " لإدارة غزة ؟


رم -

د . مهدي مبارك عبد الله

في خضم التحولات العاصفة التي يعيشها قطاع غزة بعد سنوات الحرب والدمار برزت اللجنة الوطنية لإدارة غزة بصفتها إطارا انتقاليا قيل إنه يهدف إلى نقل القطاع من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة الإدارة المدنية المنظمة وقدمت هذه اللجنة على أنها هيئة تكنوقراطية تضم شخصيات مهنية مستقلة تتولى إدارة الملفات الحيوية بعيدا عن التجاذبات الفصائلية وتعمل على إعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة وتعليم وأمن وبلديات ومالية وعدالة وشؤون اجتماعية

اللجنة الوطنية لإدارة غزة تشكلت في يناير 2026 وقدمت دوليا كهيئة مدنية انتقالية تتولى إدارة الشأن اليومي في القطاع وتضم مجموعة من الكفاءات الفلسطينية ذات الطابع التقني والمهني بعيدا عن الانتماء الحزبي المباشر وتشمل صلاحياتها ملفات الأمن والكهرباء والمياه والصحة والتعليم والإسكان والمالية والعدل والشؤون الدينية والخدمات البلدية وشؤون العشائر وهي من الناحية النظرية أقرب إلى حكومة مدنية كاملة الصلاحيات لكنها من الناحية العملية تعمل في بيئة سياسية وأمنية مقيدة وشديدة التعقيد



غير أن ولادة اللجنة لم تأت في فراغ سياسي بل جاءت في بيئة تهيمن عليها حركة حماس التي حكمت القطاع لسنوات طويلة ورسخت حضورا عسكريا وتنظيميا واجتماعيا عميقا ولذلك فإن أي قراءة واقعية لمستقبل هذه اللجنة لا يمكن أن تتجاهل حقيقة ميزان القوة القائم على الأرض فالإدارة المدنية مهما بلغت مهنيتها تبقى محدودة التأثير إذا لم تمتلك أدوات القوة الفعلية أو إذا كانت تعمل ضمن مساحة مرسومة من قبل طرف أقوى

الصورة التي تروج لها بعض الأطراف الدولية عن كون اللجنة مدخلا لإبعاد حماس عن الحكم تبدو بعيدة عن الواقع والمعطيات على الأرض تشير إلى أن حماس ما زالت تحتفظ بالسيطرة العسكرية والتنظيمية والأيديولوجية داخل غزة وأن أي جسم إداري جديد لا يمكنه العمل بمعزل عن إرادتها أو خارج نطاق نفوذها والقوة الفعلية ما زالت بيد من يمتلك السلاح والشبكات التنظيمية والقدرة على الحشد الشعبي المتواصل

من هنا يمكن القول إن حماس كانت المستفيد الأبرز من تشكيل اللجنة ليس لأنها تخلت عن نفوذها بل لأنها أعادت تموضعها بذكاء فبدلا من الظهور في واجهة المشهد وتحمل كلفة المواجهة السياسية والأمنية والاقتصادية أمام المجتمع الدولي تركت مساحة لهيئة مدنية تتولى إدارة التفاصيل اليومية بينما احتفظت هي بمفاتيح التأثير الاستراتيجي فالقوة العسكرية ما زالت بيدها والبنية التنظيمية لم تتفكك والشبكات الاجتماعية التي بنتها عبر سنوات لا تزال فاعلة

اللجنة من حيث الشكل تبدو كحكومة مدنية كاملة الصلاحيات لكن من حيث الجوهر تواجه تحديات جوهرية تتعلق بمدى استقلال قرارها وقدرتها على فرض سياسات لا تحظى بقبول القوى المهيمنة فإذا كان الجهاز الأمني الجديد يعتمد على عناصر تشكلت في بيئة تنظيمية قريبة من حماس فإن الفصل بين الإدارة المدنية والنفوذ الحركي يصبح أمرا نظريا أكثر منه عمليا وإذا كانت الكوادر المهنية من مهندسين وأطباء وموظفين تعمل ضمن منظومة اجتماعية تأثرت بالحركة طوال سنوات فإن تأثيرها غير المباشر سيظل قائما حتى في ظل غيابها الشكلي عن الواجهة

في المقابل تبدو القوى الفلسطينية الأخرى عاجزة عن ملء الفراغ فالسلطة الفلسطينية لا تملك حضورا تنفيذيا حقيقيا داخل القطاع وأي محاولة لفرض وصاية مباشرة دون توافق داخلي قد تفتح باب صراع جديد أما الشخصيات التي تطرح كبدائل سياسية فتعاني من محدودية الأدوات الميدانية وبالتالي يبقى الواقع الفعلي محكوما بتوازن يميل لصالح حماس

نجاح اللجنة مرهون بعوامل معقدة تتجاوز حدود الكفاءة الإدارية فهو يحتاج إلى دعم مالي مستدام وضمانات سياسية وأمنية واضحة وإلى توافق وطني يحدد طبيعة المرحلة الانتقالية وأهدافها كما يحتاج إلى إعادة بناء الأجهزة الأمنية على أسس مهنية خالصة تضمن احتكارا شرعيا للقوة بيد سلطة مدنية حقيقية وإذا غابت هذه الشروط فإن اللجنة ستتحول إلى إدارة خدمات أكثر منها سلطة حكم

السؤال الذي يفرض نفسه هو هل تستطيع اللجنة أن تقود غزة بأمان وأن تستغني عن دور حماس في المدى المنظور الواقع يشير إلى أن هذا الاحتمال ضعيف في المرحلة الحالية فالحركة ما زالت تمتلك قاعدة شعبية معتبرة وتستند إلى خطاب مقاوم يجد صدى لدى شريحة من الشباب كما أنها لم تفقد بنيتها التنظيمية أو قدرتها على إعادة ترتيب صفوفها وبالتالي فإن أي انتقال كامل للسلطة دون تفاهم أو تغير جذري في موازين القوى يبدو أمرا بعيد المنال

من يسيطر فعليا على اللجنة ويحميها هو العامل الحاسم فإذا كانت الحماية الأمنية على الأرض خاضعة لقوى مرتبطة بحماس فإن استقلال القرار سيبقى نسبيا أما إذا نشأت قوة مهنية جديدة تخضع حصرا لمرجعية مدنية مستقلة فقد يبدأ مسار تحول تدريجي يفضي إلى تقليص نفوذ الحركة مع مرور الوقت لكن هذا المسار يتطلب إرادة سياسية داخلية ودعما إقليميا ودوليا صلبا

في تقديري الشخصي تمثل اللجنة مرحلة اختبار لا أكثر فهي توفر عنوانا سياسيا مقبولا للتعامل الدولي وتمنح سكان غزة أملا بإعادة تنظيم الحياة اليومية لكنها لا تعني بالضرورة نهاية دور حماس بل ربما تمنحها فرصة لإعادة التموضع وتخفيف الضغوط عنها مع الاحتفاظ بخيوط التأثير الأساسية وإذا استمرت المعادلة الحالية دون تغيير عميق فقد نشهد تكريسا لنموذج حكم مزدوج تكون فيه الواجهة مدنية تكنوقراطية بينما تبقى الكلمة الفصل للقوة المنظمة على الأرض أما مستقبل حماس فسيعتمد على قدرتها على التكيف مع هذا النموذج فإن اختارت الاندماج التدريجي في إطار سياسي أوسع فقد تتحول إلى فاعل سياسي تقليدي وإن تمسكت بدورها العسكري الصلب فقد يبقى القطاع عالقا في دائرة إدارة مدنية محدودة تحت سقف قوة لا تزال تمسك بالمشهد من خلف الستار

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]








عدد المشاهدات : (543)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :