رم - نجحت الفنانة السورية عبير شمس الدين بأن تضع بصمتها الواضحة في الدراما السوريّة؛ إذ أثبتت قدرتها على تقديم الشخصيات المعقدة والمتناقضة ببراعة، بينما تحفل مسيرتها بالتحديات والنجاحات، جامعةً بين التجربة والخبرة والقدرة على التجدد، فعبير تعرف بعفويتها، وحسها العالي بالمسؤولية كأم، وتمسّكها بخصوصية حياتها.
في حوار الأسبوع مع "فوشيا"، تكشف الفنانة السورية عبير شمس الدين أسرار مسيرتها الفنية وتجاربها الشخصية والتحديات التي واجهتها في الوسط الفني، إضافة إلى رؤيتها للحب والحياة والأمومة.
عبير شمس الدين: لكل امرأة طباعها وشخصيتها وتجربتها الخاصة
تشاركين في الموسم الدرامي الجديد بمسلسلي "اليتيم" و"شمس الأصيل"، فهل ستخرج الشخصيتان اللتان تؤديهما عن النمط السائد للمرأة الشامية؟
الدراما الشامية قد تتشابه في شكلها العام، لكن لكل عمل خصوصيته وأسلوبه وخطوطه الدرامية المختلفة، وما شجّعني على المشاركة في هذين المسلسلين هو أن الشخصيتين اللتين أقدّمهما، لا تقومان على الصورة النمطية المعتادة للمرأة الشامية، وقد حاولت أن أقدّم الدورين بصورة أقرب إلى الواقع، كامرأة قوية وضعيفة في آنٍ واحد، مؤثّرة في محيطها وليست مجرد عنصر تابع للأحداث، وأعتقد أن المشاهد سيشعر بهذا الاختلاف؛ لأن الهدف هو تطوير الدراما الشامية وتقديمها بروح جديدة، تحافظ على أصالتها، وفي الوقت نفسه تواكب تطلعات الجمهور.
لو عُرض عليكِ دور امرأة شامية قوية ومتمرّدة على السائد، هل تقبلين به؟
أنا ممثّلة، ومهمتي تقديم مختلف الأدوار والشخصيات، والمرأة الشامية، شأنها شأن نساء العالم كله، ليست نموذجاً واحداً أو قالباً ثابتاً، بل لكل امرأة طباعها وشخصيتها وتجربتها الخاصة، وتقديم امرأة شامية قوية ومتمرّدة على السائد لا يعني الخروج عن البيئة أو الهوية، بل على العكس، هو إضاءة على جانب واقعي وموجود، لكنه قد لا يُطرح كثيراً في الدراما، وأنا أحب هذا النوع من الأدوار؛ لأنه يتيح لي مساحة أوسع للتعبير، ويكسر الصورة النمطية، ويقدّم المرأة كما هي.
عبير شمس الدين: أصبحتُ أكثر انتقاءً وحرصاً في اختياراتي
تعدين من أساسيات مسلسل "مرايا"، إلا أنك غبتِ عن حفل جوائز "جوي أووردز"، فما السبب؟
مسلسل "مرايا" له فضل كبير عليّ، وهو محطة أساسية في مسيرتي الفنية، وكنتُ من أكثر الممثلات مشاركة فيه على مدى سنوات، لكن الوسط الفني غير وفي أحياناً، ولا يُنصف من كان حاضراً ومخلصاً للعمل لسنوات طويلة، ومع ذلك، يبقى التقدير الحقيقي بالنسبة لي هو محبة الجمهور، وهي الجائزة الأهم التي لا تغيب ولا تُمنح من أحد.
ما رأيك باللوحة التي قدمها نجوم "مرايا" في "جوي أووردز"؟
اللوحة لم تعبّر عن أهمية المسلسل ولا عن حجمه الحقيقي، فهذا العمل شكّل حالة فنية خاصة، ورافق الجمهور لسنوات طويلة، وطرح قضايا اجتماعية وإنسانية بجرأة وذكاء، ولا يمكن اختزاله بلوحة عابرة أو دقائق على خشبة المسرح، لكنني أرى أن تكريم العمل في هذا المهرجان الضخم بادرة طيبة وتعبير عن تقدير للجهود الكبيرة التي بذلها فريق العمل، ويُشكر القائمون عليه.
في سنوات سابقة، كانت عبير شمس الدين الخيار الأول للمخرجين وشركات الإنتاج، فما الذي تغير الآن؟
تغيّرت حسابات النجومية في السنوات الأخيرة، وتغيّر معها الكثير من المعايير في الوسط الفني، ولم يعد الاختيار قائماً على الخبرة أو التاريخ الفني فقط، بل دخلت عوامل جديدة على الخط، سواء على مستوى السوق أو الإنتاج أو حتى آليات التسويق والانتشار، وطبعاً هذا لا يلغي قيمة التجربة ولا يُنقص من رصيد أي فنان، لكنه يفرض واقعاً مختلفاً عمّا كان سابقاً.
كيف تتعاملين مع قلة الفرص وافتقاد أدوار البطولة الأولى كما في الماضي؟
لا أتعامل مع الأمر على أنه قلة فرص بقدر ما أراه مرحلة مختلفة من مسيرتي، فالأدوار موجودة، لكنني أصبحتُ أكثر انتقاءً وحرصاً في اختياراتي، وأسعى إلى الشخصيات التي تضيف لي فنياً وتقدّم لي مساحة حقيقية للتعبير، ولم تعد بطولة الاسم وحدها هي المعيار بالنسبة لي، بل تأثير الدور في العمل ككل.
عبير شمس الدين: المنافسة تتجاوز أحياناً حدود الفن الحقيقي
هل مررتِ بمرحلة شك أو إحباط بسبب تراجع جودة العروض؟
مرّت الدراما خلال السنوات الماضية بمرحلة تراجع عام، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، وقد انعكس بطبيعة الحال على نوعية العروض المقدّمة للجميع، لكنني لم أسمح لذلك بأن يقودني إلى الشك بنفسي أو بإمكانياتي، فقد حافظت على وجودي، وآمنت دائماً بأن التجربة والخبرة لا تضيعان، وبأن الفنان الحقيقي يمر بمراحل مختلفة لكنه يعرف كيف يتكيّف معها من دون أن يفقد هويته.
هل شعرتِ يوماً أن المنافسة تجاوزت حدود الفن إلى الحسابات الشخصية؟
بكل تأكيد، أحياناً تتجاوز المنافسة حدود الفن الحقيقي، وتدخل في الحسابات الشخصية والمصالح الفردية، وهذا مؤسف؛ لأنه يبعد التركيز عن جوهر العمل الفني ويحوّله إلى صراع على المكانة أو الشهرة فقط، لكنني تعلمت أن أبقى مركزة على عملي، وأضع مهنتي قبل كل شيء؛ لأن الجمهور وحده هو الحكم الحقيقي، وما يُقاس بالفن الحقيقي لا بالمناورات أو الألاعيب الشخصية.
بالعودة إلى الوراء، ما اللحظة التي شعرتِ فيها أن الفن أصبح خياركِ الحقيقي؟
كانت اللحظة الحاسمة حين وقفت أمام الكاميرا لأول مرة وشعرتُ بأنني أعبّر عن نفسي، عندها أدركت أن الفن خيار حقيقي، ومع مرور الوقت وتراكم التجارب، تأكد لي هذا الشعور أكثر، خاصة عندما لمستُ تفاعل الناس وتأثرهم بما أقدّمه، عندها فهمت أن الفن شغف وطريق اخترته عن قناعة، مهما كانت صعوباته وتقلّباته.
هل هناك عمل فني تشعرين أنه شكّل نقطة تحول في مسيرتك؟
صحيح أن شهرتي انطلقت من مسلسل "مرايا"، لكنه ليس العمل الوحيد الذي شكّل نقطة تحول، فهناك أعمال كثيرة تركت بصمة خالدة في ذاكرتي وذاكرة الناس، مثل "حمام القيشاني"، و"الطير"، و"الرحيل إلى الوجه الآخر"، و"الانتظار"، وغيرها. كل واحد من هذه الأعمال كان نقطة تحول بطريقته الخاصة، وتجربتي معها أكسبتني خبرة، وفهمتني كيف يمكن للدور أن يترك أثراً بعيد المدى في ذاكرة الناس.
عبير شمس الدين: الخوف من الموت شعور إنساني طبيعي
ما التحديات التي واجهتكِ كامرأة في الوسط الفني السوري؟
التحديات متنوعة بكل تأكيد، فهناك أولاً التحدي الاجتماعي والثقافي، فغالباً يُحكم على الفنانة من منظور تقليدي، وكأن نجاحها الفني يجب أن يُقاس بمكانتها في المجتمع أكثر من موهبتها الحقيقية، وثانياً التحدي المهني، حيث تكون المنافسة شديدة، وأحياناً تُقدّم الفرص للأسماء الأكثر "بروباغندا"؛ ما يحد من تنوع الأدوار التي يمكن أن تؤديها المرأة الناضجة، وثالثاً التحدي النفسي والمعنوي، فالحفاظ على ثقة الفنانة بنفسها وسط الضغوط، الإشاعات، والتحيّزات يحتاج إلى صلابة وإصرار.
برأيك، هل استطاعت المرأة العربية أن تفرض صوتها وهويتها كما تستحق؟
المرأة العربية حققت إنجازات كبيرة وأثبتت حضورها في كثير من المجالات، لكنها لا تزال تواجه تحديات كثيرة في فرض صوتها وهويتها كما تستحق، وأنا مؤمنة أن كل تجربة ناجحة لكل امرأة عربية تُقربنا أكثر من الهدف.
تعرض بعض صورك للفبركة عبر الذكاء الاصطناعي.. فكيف تعاملتِ مع الموضوع؟ وهل لجأتِ إلى القضاء؟
للأسف، مواقع التواصل الاجتماعي منحت كلّ من هبّ ودبّ للتعدّي على الناس من دون أي وازع أخلاقي، ما حصل كان صادماً، ليس لي فقط، بل لأي شخص يمكن أن يتعرّض لمثل هذا النوع من التشويه المتعمّد عبر الذكاء الاصطناعي، وقد تعاملت مع الموضوع بوعي وهدوء، وقرّرت اللجوء إلى القضاء؛ لأن السكوت عن هذه الانتهاكات يعني تشجيعها، وأنا مؤمنة بنزاهة القضاء وبقدرته على إنصاف المظلوم، وأثق بأنه سيأخذ حقي من أشخاص يعانون مرضاً نفسياً وأخلاقياً قبل أي شيء آخر.
تعرضتِ لشائعات وفاة أكثر من مرة، فكيف تتعاملين مع هذه الأنباء؟
للأسف، هذا النوع من الشائعات بات متكرراً ومؤذياً، للفنان ولعائلته وأصدقائه وكل من يحبّه، أحاول دائماً أن أنفي الخبر بسرعة حين ينتشر، احتراماً لمشاعر الناس القلقين عليّ، فهذه الشائعات تعكس مستوى خطيراً من اللامسؤولية.
هل تخافين الموت؟
الخوف من الموت شعور إنساني طبيعي، ولا أظن أن هناك شخصاً لا يفكّر به أو لا يمرّ عليه هذا السؤال في لحظة ما، لكنني لا أعيش هاجس الخوف منه بقدر ما أفكّر بكيفية عيش الحياة نفسها، وأتعامل مع الموت كحقيقة لا مفرّ منها، تجعلني أكثر تمسّكاً بالحياة، وأكثر حرصاً على أن أكون صادقة مع نفسي، ومع فني، ومع من أحب.
كيف تصفين نفسك بعيداً عن الأضواء والكاميرا؟
أرى نفسي بسيطة وعفوية وطبيعية، أحب الهدوء والخصوصية، وأقدّر اللحظات الصغيرة التي تمنحني راحة نفسية، أنا شخص جدي عندما يتطلب الأمر، ومَرِح عندما تسمح الظروف، كما أنني مستقلة، وأجد في الوقت الذي أقضيه بمفردي فرصة لإعادة شحن طاقتي وتجديد إلهامي، لأن الحياة الفنية تتطلب مني دائماً الحضور والجاهزية.
عبير شمس الدين: خصوصية الأولاد خط أحمر لا يمكن تجاوزه
خضت تجربة ارتباط لم تتكلل بالنجاح، فهل أغلقتِ قلبك أم مازال قلبك مفتوحاً؟
كانت تجربة ومرّت، مثل كثير من التجارب في حياة الإنسان، تعلّمت منها ما يكفي، لكنها لم تجعلني أُغلق قلبي أو أفقد إيماني بالحياة، فالحياة لا تتوقف عند أحد، والقلب بطبيعته خُلق ليحب ويجرّب ويخطئ ويتعلّم، وأنا أؤمن بأن كل تجربة، ناجحة كانت أم لا، تضيف لنا وعياً ونضجاً، والأهم أن نبقى منفتحين على الحياة من دون خوف.
كيف تغيّر مفهوم الحب لديكِ مع النضج والتجربة؟
لم يعد الحب مجرد شعور عاطفي بالنسبة لي، بل أصبح مسؤولية وتفاهما واحتراما متبادلا، وقد أدركتُ أن الحب الحقيقي يقوم على الصدق والتواصل والثقة، كما تعلمتُ أن الشريك الحقيقي هو من يكمّل حياتك ويشجعك، لا من يقيّدك أو يحدّ من طموحاتك.
قمتِ بدوري الأم والأب تجاه أبنائك، فكيف غيّرت مسؤولية تربية الأولاد نظرتكِ للحياة؟
عندما تقومين بدوري الأم والأب معاً، تدركين أن الحياة لم تعد تدور حولك وحدك، بل حول كائنات تعتمد عليك في كل شيء، تعلّمت الصبر الحقيقي، ومعنى التضحية من دون انتظار مقابل، وكيف يمكن للحب أن يكون مصدر قوة، والأولاد جعلوني أرى الحياة بعيون أكثر صدقاً، وأفهم أن النجاح لا يُقاس فقط بما نحققه لأنفسنا، بل بما نزرعه في نفوسهم من قيم وأمان وثقة. هذه المسؤولية جعلتني أنضج أسرع، وأصبح أكثر تصالحاً مع نفسي، وأكثر تمسّكاً بالحياة؛ لأنني لم أعد أعيشها لي وحدي، بل من أجلهم أيضاً.
ما سر إخفاء أولادك عن الأضواء؟ هل تتقصدين ذلك؟
خصوصية الأولاد بالنسبة لي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، فالحياة الفنية مليئة بالأضواء والفضول، وأريد أن يكبروا في بيئة طبيعية بعيداً عن التقييم أو الانتقاد أو الشهرة المبكرة، والأمر ليس خوفاً، بل حرص على أن يكون لهم حق العيش ببراءة وحرية، وأن يختبروا حياتهم بأنفسهم قبل أن يدخلوا أي عالم عام.