ريادة الأردن بين الواقع والطموح


رم - الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

يتقدّم الأردن بخطى واضحة في مجال ريادة الأعمال، ويُظهر حضورًا متزايدًا في التقارير والمؤشرات الدولية التي تقيس نشاط المشاريع الناشئة وبيئة الابتكار، حتى بات يُنظر إليه بوصفه أحد الفاعلين الصاعدين في الإقليم. وتكشف بيانات المرصد العالمي لريادة الأعمال للعامين 2024–2025 أن الأردن حلّ في المرتبة الثانية عربيًا من حيث نسبة الأفراد المنخرطين في ريادة الأعمال المبكرة، بنسبة تجاوزت 21% من السكان البالغين، وهو رقم يعكس تحوّلًا ثقافيًا ملحوظًا في نظرة الشباب إلى العمل الحر والمبادرة الذاتية.

يتعزّز هذا التقدّم بانخفاض الفجوة بين الجنسين في النشاط الريادي إلى نحو 3% بعد أن كانت تتجاوز 9% قبل سنوات قليلة، ما يدل على اتساع دائرة المشاركة وتكافؤ الفرص بين النساء والرجال. ويوازي ذلك نموّ ملحوظ في عدد الشركات الناشئة، إذ تشير التقديرات إلى وجود ما يزيد على 1200 شركة ناشئة عاملة في السوق الأردني، بمعدل نمو سنوي يقارب 15%، تتركز غالبيتها في قطاعات التكنولوجيا المالية، والصحة الرقمية، والتكنولوجيا الزراعية، والخدمات القائمة على الحلول الذكية.

يرتبط هذا المشهد بدورٍ محوري تؤديه الشراكات بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب المنظمات الدولية الداعمة. فقد أسهمت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة في رسم السياسات وتوفير الإطار المؤسسي، بينما جاء صندوق دعم الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة أداة تمويلية استراتيجية أسهمت في جذب استثمارات بملايين الدولارات وخلق آلاف فرص العمل. كما لعبت جهات دولية مثل الوكالة الألمانية للتعاون الدولي والاتحاد الأوروبي دورًا فاعلًا في بناء القدرات ونقل الخبرات، إلى جانب إشادة البنك الدولي بالتقدّم الذي أحرزه الأردن في دمج الابتكار والتحول الرقمي ضمن استراتيجيته الاقتصادية.

وعلى الرغم من هذا الزخم، لا يزال التمويل يمثل التحدي الأكبر أمام الشركات الناشئة، إذ تعتمد نسبة واسعة منها على الموارد الشخصية أو دعم العائلة والأصدقاء، في ظل محدودية الوصول إلى رأس المال المخاطر والتمويل المؤسسي. ويُترجم هذا القيد إلى صعوبة في التوسع الإقليمي والدولي، وهو ما يفسّر بقاء ترتيب الأردن في المؤشرات العالمية ضمن الفئة المتوسطة رغم التحسن المتواصل في بيئته الريادية.

تشير نتائج مؤشر السياق الوطني لريادة الأعمال إلى ارتفاع تصنيف الأردن إلى المرتبة الثامنة عشرة من بين أكثر من خمسين دولة مشاركة، بعد تحسّن علامته من 4.7 إلى 5.0، وهو تطور مهم يعكس تقدّم البنية التنظيمية والدعم المؤسسي، لكنه في الوقت ذاته يبرز المسافة التي لا تزال تفصلنا عن الاقتصادات الرائدة في هذا المجال.

يقف الأردن اليوم على مفترق طريق واضح، فهو يمتلك طاقات بشرية شابة، وبيئة ابتكار واعدة، وشراكات دولية فاعلة، غير أن استدامة هذا المسار تتطلب مضاعفة الجهود في التشريع، وتوسيع أدوات التمويل، وربط التعليم بسوق العمل الريادي، بما يضمن تحويل المبادرات الصغيرة إلى شركات قادرة على النمو والمنافسة عالميًا. وبين واقع يتشكّل وطموح يتسع، تبقى الريادة في الأردن مشروعًا وطنيًا مفتوحًا على المستقبل، لا يقاس بما تحقق فحسب، بل بما يمكن أن يتحقق إذا استمر الاستثمار في الإنسان والفكرة والفرصة.



عدد المشاهدات : (581)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :