إيران تعرف ماذا تريد .. هل يعرف العرب؟


رم -

أحمد عبد الباسط الرجوب

في لحظة إقليمية حاسمة تتصادم فيها مصالح القوى الكبرى في الشرق الأوسط، يبرز سؤال استراتيجي لا يمكن الهروب منه: كيف يمكن للعرب إعادة ترتيب أوراقهم في مواجهة الضغوط الغربية–الصهيونية، بينما تصعد إيران كفاعل إقليمي يمتلك استراتيجية واضحة نسبياً؟ هذه ليست مقارنة دعائية، بل قراءة نقدية لأساليب إدارة القوة في بيئة سياسية قاسية.

إيران: نموذج “الخطة الواحدة”

ليس الهدف تمجيد طهران ولا جلد الذات العربية، بل فهم الفارق في إدارة المصالح. منذ 1979، حافظت إيران على خطوط استراتيجية ثابتة: رفض الهيمنة الغربية، بناء شبكة نفوذ إقليمي، وتحويل الملفات الحساسة - وعلى رأسها النووي - إلى أدوات تفاوض. ورغم العقوبات، لم تتخلَّ عن ثوابتها، بل أظهرت مرونة تكتيكية دون تغيير اتجاهها الاستراتيجي.

الأهم أن إيران نجحت في استغلال التناقضات داخل المعسكر الغربي، خاصة بين واشنطن وأوروبا، لتوسيع هامش حركتها. هذا الاتساق في الرؤية منحها وزناً تفاوضياً أكبر من حجمها الاقتصادي الحقيقي.

العرب اليوم: ثقل الإمكانات… وضعف الاستراتيجية

على عكس النموذج الإيراني، تبدو الساحة العربية مشتتة، تعيش انقسامات سياسية عميقة وتبعية اقتصادية وعسكرية للغرب. العقل الاستراتيجي الجماعي يتزعزع، ويرتسم في ردود فعل أكثر منها مبادرات. السياسة العربية إزاء الملفات الكبرى - من تطبيع العلاقات مع الكيان الاحتلالي إلى الأزمة الفلسطينية - كانت ردية، مجزأة، ومن حيثية تفاوضية ضعف متكرر.

فبدلاً من استثمار الثروات الهائلة — يستحوذ العرب على نحو 46% من احتياطي النفط العالمي ونحو 27% من احتياطي الغاز العالمي — ووضعها في خدمة تطور صناعي واقتصادي يعود بالنفع على قدرات الدولة والمجتمع، بقيت تلك الثروات أدوات للاستدامة المالية وليس القوة الذاتية. هذه الثروات يمكن أن تكون عنصر قوة تفاوضية إن استثمرت في بناء اقتصاد متين وقوة إنتاجية، لا فقط مصدر دخل للدولة.

كما أن الانقسام العربي في تحديد الموقف من إيران نفسها، بين عداء وانفتاح أو صمت، يبرز حالة غياب إدراك استراتيجي موحد. تصريحات وتفسيرات متباينة في الدول العربية تجاه إيران وأدوارها الإقليمية تؤكد أن منظومة صنع القرار لا تزال مُفككة، وليست مبنية على رؤية عربية جامعية.

مضيق هرمز: جغرافيا يمكن أن تكون قوة

يمر عبر مضيق هرمز قرابة خُمس استهلاك النفط العالمي يومياً. أي تصعيد في المنطقة يهدد الاقتصاد الدولي مباشرة. هذه الجغرافيا ليست مجرد خطر، بل ورقة قوة كامنة. السؤال ليس في وجودها، بل في قدرة العرب على إدخالها ضمن استراتيجية تفاوضية مشتركة تحمي المصالح والسيادة.

لماذا تتعثر الاستراتيجية العربية؟

الدرس من التجربة الإيرانية لا يعني تقليدها، بل فهم عناصر نجاحها:

1. غياب الرؤية الموحدة: الانقسام يضعف القدرة التفاوضية الجماعية.
2. الاعتماد على الخارج: الأمن المستورد يساوي قراراً مقيداً.
3. غياب خطاب عربي جامع: الانقسام الفكري يسبق الانقسام السياسي.

من دون تحويل هذه النقاط إلى مشروع دولة–أمة، ستبقى المفاوضات العربية من موقع دفاعي.

خاتمة: خطاب جماهيري… لكن بعين استراتيجية

في الصحافة الخليجية والمغاربية والأردنية والعربية بشكل عام ، يجب أن يتحول النقاش من مجرد قراءة أحداث إلى مطلب استراتيجي واقعي: وحدة القرار، إدارة الثروات كقوة، وفهم دقيق للجغرافيا السياسية التي تحيط بنا.

الأمة العربية ليست فقيرة في الموارد، لكنها في أمسّ الحاجة إلى إرادة سياسية موحدة ورؤية استراتيجية تقوم على المصالح الحقيقية، لا على التحالفات التبعية.

السؤال الذي يواجه القارئ العربي اليوم ليس فقط ماذا يحصل؟، بل كيف يمكن تحويل هذا الواقع المتردِّي إلى منصة تفاوض حقيقية؟ هل تستيقظ الأمة من سبات القيادات الانقسامي؟ وهل تُحوِّل الإرادة إلى استراتيجية؟

الجواب يكمن في إرادة الشعوب قبل بسطاء القادة.


إن تعلّمنا من تجارب التاريخ والمنافسات الإقليمية؛ فالإمكانية موجودة دائماً، لكن العبرة في أن تُستثمر الإرادة لصياغة سياسات تُحترم في العالم، وليس فقط تُتجاهل أو تُستغل .... كرامة الأمة ليست للتفاوض

باحث ومخطط استراتيجي




عدد المشاهدات : (4416)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :