الدكتور ليث عبدالله القهيوي
لم يعد السؤال بعد كل ما كُتب عن الإصلاح الإداري: لماذا تتعثر المبادرات؟، بل لماذا لا تتحول الريادة إلى سلوك مؤسسي، رغم وفرة الخطط، وحاضنات الأعمال، وبرامج الابتكار، وخطاب التحول الرقمي؟
في اللحظة التي تُدار فيها المنظومة بمنطق الحذر، تصبح ريادة الأعمال نشاطًا تجميليًا لا محرّكًا اقتصاديًا، ويغدو الابتكار مشروعًا معزولًا عن القرار، لا أداة لإعادة تصميمه. فالمشكلة لم تعد في غياب الأفكار، ولا في نقص الكفاءات الشابة، بل في بيئة تشغيل ترى القرار مخاطرة، وتكافئ السلامة أكثر مما تكافئ الجرأة المحسوبة.
وإذا كان الإصلاح الإداري قد توقف عند سقف الثقة، فإن ريادة الأعمال تتوقف عند سقف أخطر: من يملك حق التجربة؟ ومن يتحمّل كلفة الفشل؟ ففي بيئة لا تُميز بين الخطأ المهني والفساد، لا يولد الابتكار، ولا ينمو التحول الرقمي، مهما تضاعفت الاستثمارات أو تغيرت المسميات.
من هنا، لا يمكن قراءة ريادة الأعمال خارج سياق الإصلاح الإداري، ولا فهم التحول الرقمي بمعزل عن بنية القرار. فالسؤال الحقيقي ليس كم أطلقنا من مبادرات ريادية، بل: هل غيرت هذه المبادرات منطق الإدارة، أم جرى احتواؤها داخل المنظومة نفسها التي تُجيد تعطيل القرار؟
لم يعد مشهد ريادة الأعمال في كثير من البيئات المؤسسية يُقرأ من زاوية نقص الأفكار أو غياب المبادرات. على العكس، تبدو الواجهة مكتظة: حاضنات ومسرعات، مسابقات ابتكار، منصات رقمية، وخطابات رسمية تتحدث بثقة عن التحول والاقتصاد الجديد. ومع ذلك، تبقى الحصيلة في أغلب الأحيان أقل من الوعود، وكأن الريادة تتحرك داخل غرفة زجاجية؛ مرئية للجميع، لكنها غير قادرة على لمس مركز القرار. هنا يتبدل السؤال من “لماذا تتعثر المبادرات؟” إلى سؤال أشد دقة: لماذا لا تتحول الريادة إلى سلوك مؤسسي مستدام، ولماذا يبدو الابتكار حاضرًا في التقارير أكثر مما هو حاضر في آليات الإدارة؟
في العمق، المشكلة ليست في كم المبادرات بل في طبيعة البيئة التي تستقبلها. حين تُدار المنظومة بمنطق الحذر المفرط، يصبح القرار ذاته فعلًا عالي الكلفة، وتتحول أي تجربة جديدة إلى مخاطرة شخصية لا مشروع مؤسسي. عندها تُكافَأ السلامة أكثر من الجرأة المحسوبة، ويصبح الامتثال معيارًا غير معلن للنجاح، بينما يُنظر إلى التغيير كاستثناء يحتاج تبريرًا طويلًا بدل أن يكون وظيفة طبيعية للإدارة. في مثل هذا السياق، يمكن أن تزدهر “ثقافة البرامج” دون أن تزدهر “ثقافة التحول”: برامج تُطلق وتُقاس بعدد المشاركين والفعاليات، لا بعدد الإجراءات التي أُعيد تصميمها أو القرارات التي تغيّرت بسببها.
الأكثر حساسية أن الابتكار لا يفشل عادةً عند بوابة التمويل أو عند نقص المهارات، بل عند بوابة السلطة. فهناك فرق كبير بين دعم فكرة وتمكين قرار. تستطيع أي مؤسسة أن تفتح مساحة آمنة للأفكار، لكنها إن لم تمنح هذه المساحة نفوذًا فعليًا على السياسات والإجراءات ودورات الموافقة، ستبقى الريادة على الهامش. وعندما يغيب النفوذ، تفقد الحاضنات والمختبرات وظيفتها التحويلية لتصبح أدوات تزيين: تُظهر المؤسسة بصورة حديثة دون أن تغير منطق عملها. في هذه اللحظة يصبح الابتكار مشروعًا “معزولًا” يشتغل في منطقة لا تؤلم أحدًا، ولا يهدد توازنات داخلية، ولا يعيد توزيع الصلاحيات.
وهنا يبرز العامل الأكثر تعطيلًا: الخلط بين الخطأ المهني والفساد. في بيئة لا تميز بينهما، تصبح التجربة مخاطرة مزدوجة، لأن تكلفة الفشل لا تُعامل بوصفها درسًا مؤسسيًا، بل كإدانة قد تُطارد صاحبها. هذا المناخ ينتج نمطًا متكررًا: القيادات الوسطى تتجنب التفويض لأنها لا تمتلك حماية كافية، والموظفون يتجنبون المبادرة لأن الثمن غير متوازن، فتُستبدل الجرأة بسلسلة احترازات، ويصبح الزمن الإداري أطول من زمن السوق. ويكفي النظر إلى كيف تتحول كثير من الأفكار إلى “مذكرات داخلية” تدور بين الإدارات بدل أن تتحول إلى نماذج أولية واختبارات ميدانية، لتتضح طبيعة المأزق: المنظومة لا تعاني من قلة الاقتراحات، بل من قلة المساحة المسموح فيها بالخطأ.
وفي قلب هذا المشهد يقف التحول الرقمي بوصفه اختبارًا صريحًا لعمق الإصلاح لا لمستوى التقنية. فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني إطلاق تطبيقات أو تدشين بوابات إلكترونية، بل يعني إعادة بناء رحلة الخدمة من جذورها: تقليل الخطوات، دمج الموافقات، نقل الرقابة من “توقيع” إلى “مؤشر”، وتحويل البيانات إلى أداة لاتخاذ القرار لا مجرد أرشيف. المشكلة أن كثيرًا من مشاريع الرقمنة تُنجز كطبقة إضافية فوق إجراءات قديمة، فتنتج “خدمة إلكترونية” تحمل التعقيد ذاته لكن بواجهة أجمل. وحين تُحاصر الرقمنة داخل حدود صلاحيات ضيقة، تصبح مهمة فريق التقنية تحسين السرعة لا كسر المنطق، بينما يبقى السؤال الغائب: من يمتلك حق حذف خطوة كاملة من الإجراء؟ من يملك حق إعادة تعريف المسؤولية؟ هنا يتضح أن التقنية وحدها لا تكفي؛ لأن التحول الرقمي في جوهره إعادة توزيع للسلطة داخل المؤسسة، ومن دون قرار سياسي/إداري يحمي هذا التحول، ستظل الرقمنة تحديثًا شكليًا لا قفزة إنتاجية.
وعندما تتقدم الدولة أو المؤسسة في التحول الرقمي، تتقدم تقنيًا أكثر مما تتقدم سلطويًا؛ تُبنى منصات وأنظمة، لكن الإجراءات القديمة تُنقل كما هي إلى واجهات جديدة، فتتحول الرقمنة إلى “تجميل للتعقيد” بدل كسره، وتُستخدم التقنية لتسريع المعاملة داخل المتاهة بدل إعادة رسم الطريق. لذلك يصبح السؤال الحاسم في كل مشروع رقمي: من يملك حق حذف خطوة؟ من يملك حق دمج موافقتين؟ ومن يملك حق تحويل التوقيع إلى مسؤولية قابلة للقياس بدل أن يبقى مجرد ختم ينتقل بين المكاتب؟
في المحصلة، لا تُقاس ريادة الأعمال بعدد الشركات الناشئة ولا بعدد المبادرات المعلنة، كما لا يُقاس التحول الرقمي بعدد المنصات أو التطبيقات. ما يُقاس حقًا هو قدرة المنظومة على تحمل كلفة القرار حين تُختبر الثقة، ويصبح الابتكار فعلًا لا شعارًا.
فالبيئة التي لا تحمي الاجتهاد، ولا تميّز بين الخطأ المهني والفساد، ستنتج ريادة خجولة، وتحولًا رقميًا سطحيًا، مهما كثرت الاستراتيجيات وتبدّلت المسميات. وفي المقابل، فإن المنظومة التي تعيد تعريف ما يُكافأ وما يُعاقَب، وتمنح القرار مكانته كأداة قيمة لا كمصدر تهديد، ستطلق طاقات الريادة تلقائيًا، حتى قبل أن تكتمل الأدوات.
السؤال إذن لم يعد: كيف نُحفز الريادة؟ بل: هل نحن مستعدون لإدارة بيئة تسمح بالتجربة، وتتحمّل الفشل، وتكافئ الأثر بدل الامتثال؟
لأن ريادة الأعمال، في جوهرها، ليست مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل اختبارًا صريحًا لعمق الإصلاح الإداري.
وحين تنجح المنظومة في هذا الاختبار، لا يولد الابتكار فقط.. بل يتغير منطق الإدارة، ويتحول التحول الرقمي من واجهة حديثة إلى قوة تغيير حقيقية.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |