رم - بقلم: م.خالد سليم أبو مزهر
في زحام الحياة الراكضة، وبين ضجيج الأرقام وتلاحق الأحداث، ننسى أحياناً أن جوهر وجودنا يكمن في التفاصيل الصغيرة التي تسكن الزوايا المهملة. ومن هنا، اخترت أن أبتعد قليلاً عن صخب العناوين العريضة، لأهمس في آذان ثلاثة: المسؤول، الصديق، ونفسي.
إلى المسؤول.. الكرسي زائل والأثر باقٍ
رسالتي ليست إلى مدير في شركة أو صاحب سلطة فحسب، بل إلى كل "مسؤول عن قراره" في بيته أو عمله أو مجتمعه. همستي لك ليست عن الإنجازات الورقية، بل عن "الأثر".
تذكر أن خلف كل قرار تخطه يمينك، هناك إنسان قد يرتفع أو يسقط، وحلم قد يزهر أو يذبل. المناصب ضيوف عابرة، والكراسي لا تدوم، وما يبقى في أذن الزمان هو صدى عدلك وجبرك لخواطر من ائتمنك الله عليهم. كن إنساناً قبل أن تكون مديراً، وصديقاً للحق قبل أن تكون قريباً للمصلحة، فالعظمة الحقيقية لا تُقاس بالوعود، بل بالأفعال التي تصرخ بالوفاء في قلوب الناس.
إلى الصديق.. ترميم الودّ خلف الشاشات
في عصر التكنولوجيا، تحولت علاقاتنا إلى رموز تعبيرية و إعجابات عابرة. همستي للصديق الذي غيبه ركض الحياة: لا تجعل الظروف شماعة لبرود المشاعر. الصداقة ليست خانة نملأها وقت الفراغ، بل هي عهد بالبقاء رغم الضجيج.
لا تكن متاحاً رقمياً وغائباً شعورياً. نحن في عصر أصبح فيه الكل متاحاً ولا نجد أحداً فعلياً عند الحاجة. القضية ليست مجرد سؤال أو سلام، بل هي ترميم لأرواحنا التي تذبل حين تفقد دفء الرفقة الحقيقية التي تقاسمنا ثقل الطريق.
إلى نفسي ... كفاكِ استنزافاً في المعارك الخاطئة
أما الهمسة الأهم، فهي لتلك النفس التي تسكننا ونهملها دائماً. كفاكِ ركضاً خلف من لا يلتفت، واحتراقاً لتضيء عتمة من يرفض فتح عينيه. لقد منحنا الكثير للأدوار التي نلعبها كفئات (موظفين، أصدقاء، أقارب)، ونسينا "الإنسان" بداخلنا.
العدل يبدأ من الداخل؛ فإذا خسرت نفسك، لن ينفعك تصفيق مسؤول أو مديح صديق. لا تعتذر عن كونك "أنت"، ولا تتنازل عن قيمك لتناسب مقاسات عقولهم الضيقة. من لا يمنح نفسه حق التقدير، سيظل دائماً ينتظر فتاته من موائد الآخرين.
هي همسات بسيطة، لكنها تلخص قضيتنا الكبرى: الإنسان فهل من مستمع يعيد ترتيب أولوياته قبل أن يسرقنا العمر في دروب التيه ؟
م خالد سليم أبو مزهر