رم - بقلم فادي زواد السمردلي
شهد مجلس النواب الأردني يوم الأحد ١ شباط ٢٠٢٦، حدثًا تمثل في انسحاب نواب كتلة حزب جبهة العمل الإسلامي من الجلسة، وذلك خلال مناقشة مشروع قانون التصديق على اتفاقية المساعدة القانونية والقضائية المتبادلة في المسائل الجزائية بين الأردن والمغرب وجاء هذا الانسحاب احتجاجًا على ما اعتبرته الكتلة انتهاكًا صريحًا للإجراءات البرلمانية المعمول بها، إذ شرع المجلس في التصويت على المشروع دون أن يتم إحالته إلى اللجنة المختصة، وهو ما يُعد في نظر المعارضة خرقًا للضوابط الدستورية والإجرائية التي تنظم عمل البرلمان الأردني.
من الناحية القانونية، فإن إحالة مشاريع القوانين إلى اللجان المختصة لا تُعد مجرد إجراء شكلي، بل هي آلية أساسية لضمان التدقيق القانوني والفني للنصوص التشريعية فهذا التقييم المسبق من قبل اللجان يمكنه كشف أي تضارب مع القوانين النافذة، أو فراغات قانونية قد تؤثر على تطبيق النصوص لاحقًا وبالتالي، تجاوز هذه الآلية وإحالة المشروع مباشرة إلى التصويت في الهيئة العامة يطرح مسألة دستورية مهمة، ويضع البرلمان في موقف قد يُفهم منه تجاوز لمبدأ التشريع الرشيد والعدالة الإجرائية، وهو ما دفع كتلة جبهة العمل الإسلامي إلى التعبير عن اعتراضها الرسمي عبر الانسحاب الجماعي.
ويأتي هذا الانسحاب في سياق النظام الدستوري الأردني الذي يولي أهمية قصوى للالتزام بالنظم الداخلية لمجلس النواب. فالنظام الداخلي يُكمل أحكام الدستور، وينظم آليات العمل البرلماني بما يضمن حقوق النواب وحماية العملية التشريعية من أي تجاوزات إذ ينص الدستور على أن السلطة التشريعية مصدرها مجلس الأمة وأن ممارستها تتم وفق القوانين والدستور والنظم الداخلية. ومن ثم، فإن تجاوز الإجراءات دون موافقة أغلبية خاصة على استثناء الإحالة، كما حصل ، يثير تساؤلات جدية حول مشروعية التصويت على القانون، ويعكس ضرورة الحفاظ على حق المعارضة في الرقابة والمراجعة التشريعية.
انسحاب كتلة جبهة العمل الإسلامي، بقيادة النائب صالح العرموطي، لم يكن مجرد موقف احتجاج سياسي، بل تحرك قانوني مدروس يسلط الضوء على أهمية الالتزام بالضوابط الإجرائية للحفاظ على نزاهة التشريع وفي الوقت نفسه، فإن مغادرة النواب للجلسة تقلل من قدرتهم على تسجيل اعتراضاتهم رسميًا في محاضر الجلسة، وهو أمر مهم عند النظر لاحقًا في أي طعون قانونية أو نقاشات برلمانية مستقبلية وهذا يوضح التحدي الذي تواجهه المعارضة بين الاحتجاج القانوني الفعال والمشاركة العملية داخل المجلس، وهو توازن دقيق في أي نظام برلماني قائم على القانون والدستور.
علاوة على ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذا الانسحاب يأتي في ظل توتر مستمر حول طريقة إدارة الجلسات وتشريع القوانين، وهو توتر ينعكس بشكل مباشر على أداء البرلمان وسير العملية التشريعية. في ظل هذا السياق، يصبح احترام الإجراءات البرلمانية الداخلية عنصرًا حيويًا لضمان مشروعية القوانين وعدم المساس بحقوق النواب، خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب دراسة دقيقة وشفافية كاملة في التشريع والمصادقة على الاتفاقيات الدولية.
من منظور تحليلي، يمكن اعتبار انسحاب جبهة العمل الإسلامي إشارة واضحة إلى الحاجة لتعزيز احترام الإجراءات الدستورية واللائحة الداخلية للمجلس، ويؤكد على أن الالتزام بالمسار التشريعي السليم ضرورة لضمان نزاهة التشريع واستقراره كما يعكس هذا الحدث بوضوح أن البرلمان الأردني، في ظل توتر مستمر مع الحكومة، يحتاج إلى التوازن بين إدارة الجلسات البرلمانية وحقوق المعارضة في الرقابة والمراجعة القانونية.
في المحصلة، يشكل انسحاب كتلة جبهة العمل الإسلامي تحركًا احتجاجيًا مشروعًا ضمن السياق القانوني والدستوري، يسلط الضوء على نقاط ضعف محتملة في إدارة الجلسات البرلمانية وأهمية الالتزام بالمعايير الدستورية ويؤكد الحدث أن قوة أي نظام برلماني تكمن في التزامه بالقوانين الداخلية والدستور، حتى في أوقات التوتر، لضمان مشروعية التشريع واستقرار النظام السياسي فهذا الانسحاب ليس مجرد حدث لحظي، بل درس واضح حول العلاقة بين الحكومة والبرلمان وأهمية احترام الضوابط القانونية في صميم العملية الديمقراطية.