الأردن بين صلابة الاستقرار وحتمية الإصلاح


رم -
بقلم: الدكتور جميل سالم الزيدانين السعودي

يعدّ الأردن حالة خاصة في إقليم يعجّ بالاضطرابات السياسية والاقتصادية، حيث يواصل تقديم نموذج مختلف يقوم على الاستقرار النسبي وإدارة الأزمات بدل الانخراط فيها. غير أن هذا الاستقرار، على أهميته، لم يعد كافيا وحده لضمان المستقبل، في ظل تحديات داخلية متراكمة تفرض الانتقال من سياسة الاحتواء الى سياسة الإصلاح العميق الذي يعيد العلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد.

أولا: المشهد السياسي – استقرار مدار أم تحوّل تدريجي؟
يقوم الاستقرار السياسي في الأردن على شرعية تاريخية ودستورية راسخة ومؤسسة أمنية محترفة وقوية وسياسة خارجية متوازنة تقلّل من الانخراط في الصراعات، الا أن هذا الاستقرار هو استقرار مدار أكثر منه ناتجا عن حيوية سياسية داخلية، ما يجعله حساسا لأي ضغوط اقتصادية أو اجتماعية واسعة النطاق، إضافة لذلك فقد أطلق الأردن مسار تحديث سياسي يهدف الى تعزيز العمل الحزبي وتوسيع المشاركة البرلمانية وإعادة هندسة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، الا أن التحدي الاستراتيجي أمام هذا المسار يكمن في قدرة الأحزاب على تمثيل مصالح حقيقية، وثقة الشارع الأردني بجدوى المشاركة والمواءمة بين متطلبات الاستقرار ومتطلبات الانفتاح السياسي.

أما على مستوى العامل الإقليمي، فإن الأردن يبقى متأثرا بشكل مباشر بكل من القضية الفلسطينية والصراعات الإقليمية وتدفقات اللاجئين، مما يفرض أولوية الأمن والاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يقيّد هامش الحركة السياسية الداخلية حتّى لا تخرج بقصد او غير قصد عن الثوابت الوطنية، وتنتج حالة من الفزع الاجتماعي الذي قد يشيطن فئات اجتماعية معينة ويبني لها حالة من الاحتقان تنتج تمردا على نهج الإصلاح وعلى استقرار الوطن وسلامته وبالتالي يعود الوطن للمربع الأول من مسيرة التنمية.

ثانيا: المشهد الاقتصادي – صلابة نسبية مقابل اختلالات بنيوية
يعاني الاقتصاد الأردني من تحديات متعددة وضغوطات كبيرة تتمثل في معظمها بمحدودية الموارد الطبيعية وصعوبة توفر مصادر كافية لاستغلالها والعوامل الجيوسياسية والمخاطر المتعددة المرتبطة بها، كما أن السوق الداخلي صغير، ويعتمد الأردن نسيبا على المساعدات الخارجية والتحويلات، إضافة للارتفاع السنوي في حجم الديون الخارجية، واتساع الفجوة بين الصادرات والواردات، وارتفاع التضخم والعجز في الموازنة العامة وغيرها. ورغم تحقيق معدلات نمو إيجابية، إلا أنها غير كافية لتسريع عجلة التنمية واستيعاب البطالة المرتفعة بين الشباب كونها تشكل هاجسا اجتماعيا كبيرا لا بد من التركيز عليه من قبل الوزارات المعنية من خلال استراتيجيات وسياسات وتشريعات توجه طموحات الشباب وامكاناتهم وتعمل على استغلالها محليا وإقليميا.

أما على مستوى رؤية التحديث الاقتصادي، فإنها تركز على تحفيز القطاع الخاص وتنويع مصادر الدخل والتحول الرقمي وجذب الاستثمارات. إن هذه الرؤية تواجه معضلة استراتيجية تكمن في الفجوة بين الطموحات المعلنة والقدرة التنفيذية والبيئة الاستثمارية المتأثرة بالبيروقراطية والضرائب.
إضافة لما سبق فان الاقتصاد لم يعد مسألة أرقام فقط، بل أصبح قضية ثقة مجتمعية وعامل استقرار نسبي ومقياسا لنجاح الدولة في إدارة العقد الاجتماعي.

ثالثا: الترابط بين السياسة والاقتصاد – معادلة التأثير
في الحالة الأردنية، فإن أي تعثر اقتصادي ينعكس مباشرة على المزاج السياسي، وأي اغلاق سياسي يضعف فرص الإصلاح الاقتصادي والاستثمار. لذلك فإن غياب قنوات سياسية فعالة لتفريغ الاحتقان الاجتماعي يزيد من خطورة الضغوط الاقتصادية، حتى وإن كانت محدودة زمنيا.

رابعا: السيناريوهات المستقبلية المحتملة
السيناريو الأول: الإصلاح المتدرّج المستقر (المرجّح): يكون هذا السيناريو عن طريق استمرار التحديث السياسي بوتيرة محسوبة جيدا، وتحسين تدريجي في الأداء الاقتصادي، وبقاء التحديات الاجتماعية دون انفجار. هذا وستكون نتيجة هذا السيناريو هي الاستقرار طويل الأمد، لكن دون قفزات تنموية كبيرة.

السيناريو الثاني: تسارع الإصلاح (الإيجابي): يتم هذا السيناريو عن طريق إرادة سياسية أقوى لتفعيل الحياة الحزبية، واصلاحات اقتصادية أعمق وجريئة، ووجود شراكة حقيقية مع القطاع الخاص. هذا السيناريو يعزز من الثقة، ويجذب الاستثمارات، ويخفف البطالة، ويحسن العقد الاجتماعي.

السيناريو الثالث: إدارة الازمات دون اصلاح (السلبي): يتحقق هذا السيناريو عن طريق تباطؤ الإصلاحات، والضغوطات الاقتصادية المتزايدة واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، مما ينتج عنه استقرار هش قابل للاهتزاز مع أي صدمة خارجية. وأخير فإن الأردن لا يواجه أزمة وجود، بل أزمة خيارات المرحلة القادمة التي تتطلب شجاعة سياسية محسوبة (وهذه من ميزات وركائز القيادة الهاشمية التي ثبتت ونجحت عبر التاريخ)، كما تتطلب المرحلة القادمة اصلاحا اقتصاديا يلامس حياة الناس، وخطابا صادقا يعيد بناء الثقة بين الشعب والحكومات. وفي الملخص فان النجاح لن يكون في تجنّب التحديات، بل في ادارتها وتحويلها الى فرص في دولة تملك عناصر الاستقرار، لكنها بحاجة الى مضاعفة عناصر التنمية.



عدد المشاهدات : (610)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :