رم - عاطف أبو حجر
في مناسباتٍ قليلةٍ فقط تتلاقى الكلمات مع المشاعر، ويغدو الحرف عاجزًا عن الإحاطة بمعاني الوفاء والانتماء. ولعلّ عيد ميلاد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين إحدى تلك المناسبات التي تتجاوز كونها ذكرى شخصية، لتغدو احتفالًا وطنيًا متجدّدًا بقائدٍ حمل الأردن في قلبه، وحمل هموم شعبه على كتفيه، وسار به ثابت الخطى وسط عالمٍ متقلّب، محافظًا على الثوابت، منفتحًا على المستقبل، ومؤمنًا بالإنسان الأردني قبل أي شيء.
تميّزت شخصية جلالة الملك بالحكمة والاتزان، فكان قائدًا قريبًا من شعبه، صادقًا في خطابه، واضحًا في مواقفه، لا يساوم على كرامة وطنه، ولا يتردد في الدفاع عن قضاياه العادلة. وفي المجال السياسي، شكّل جلالته صوتًا عربيًا عاقلًا في المحافل الدولية، يدعو إلى سلامٍ عادل، ويدافع عن القضية الفلسطينية، ويحفظ للأردن مكانته واحترامه بين الأمم، رغم التحديات الإقليمية والضغوط المتلاحقة.
وأدرك جلالته منذ وقت مبكر أن بناء الدولة الحديثة لا يقوم إلا على اقتصادٍ متين، فدعم مسارات الإصلاح، وشجّع الاستثمار، ووجّه نحو تمكين الشباب، والاعتماد على الابتكار وريادة الأعمال، واضعًا نصب عينيه تحقيق تنمية متوازنة تصل إلى جميع أطراف الوطن، وتكفل حياة كريمة للمواطن الأردني.
وفي الجانب الاجتماعي، كان الملك عبد الله الثاني الأب القريب من هموم الناس، الحريص على العدالة الاجتماعية، والداعم للمرأة والشباب، والمؤمن بأن التعليم هو السلاح الأقوى في مواجهة الفقر والتطرّف. فجاء حضوره الدائم في القرى والبوادي والمخيّمات رسالةً واضحة بأن القيادة الحقيقية تُقاس بقربها من الناس لا بعلوّ المناصب.
كما جسّد جلالته أسمى معاني الرحمة والمسؤولية، ففتح الأردن أبوابه للاجئين، ومدّ يد العون للمحتاجين، وجعل من الإنسان محور السياسات والقرارات، إيمانًا بأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وبأن الأردن، رغم محدودية موارده، غنيّ بقيمه ومبادئه.
ولذلك، لم تكن محبة الشعب الأردني لملكهم محبةً مفروضة، بل صادقة نابعة من القلب، تجلّت في التفافهم حوله، واعتزازهم بقيادته، وشعورهم الدائم بأنه واحدٌ منهم، يحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم. إنها محبة متبادلة، عنوانها الوفاء، وجوهرها الانتماء، وسرّها ثقةٌ لا تهتز.
وفي عيد ميلادك، يا قائد الوطن، نقولها بصدق: إن الانتماء للأردن في عهدك شرف، والوقوف خلفك واجب، ومحبتك فخرٌ لا يضاهى… ولو لم أكن من شعبك الوفي، لوددت أن أكون.