هل أصبحت بريطانيا ملاذًا آمنًا لمجرمي الحرب الإسرائيليين ؟


رم -
دمهدي مبارك عبد الله

استهلال : القوة تكمن في الكلمة الصادقة والعدالة يجب ان لا تبقى مكتومة خاصة حين يتم هندسة القوانين لخدمة الاحتلال الاسرائيلي

منذ بداية القرن العشرين كانت بريطانيا جزءًا أساسيًا من معاناة الشعب الفلسطيني حيث يعود أصل مشكلته إلى فترة الانتداب البريطاني على فلسطين حين كانت بريطانيا هي القوة الاستعمارية التي وعدت اليهود بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين من خلال وعد بلفور عام 1917 دون مراعاة لحقوق السكان الأصليين من العرب الفلسطينيين وهذا الوعد الذي تجاهل تمامًا كامل حقوق الفلسطينيين على أرضهم شكّل اللبنة الأولى في تأسيس ما سيعرف لاحقًا بالنكبة الفلسطينية

خلال فترة الانتداب قامت بريطانيا بتسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين ودعمت بناء المؤسسات الصهيونية ما مهد الطريق لنشوء الدولة الإسرائيلية على حساب الشعب الفلسطيني وعندما اندلعت الثورة الفلسطينية ضد الاستعمار البريطاني في الثلاثينات كانت ردود فعل بريطانيا تتمثل في قمع المظاهرات واستخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين ما أسفر عن سقوط مئات الشهداء والجرحى والمعتقلين

لكن المعاناة الفلسطينية لم تنتهِ مع انتهاء الانتداب البريطاني في عام 1948 بل كان هذا بمثابة بداية فصل جديد من المأساة حيث لعبت بريطانيا دورًا كبيرًا في دعم الكيان الإسرائيلي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر وساندت إسرائيل في تأسيس الدولة على أنقاض الشعب الفلسطيني متجاهلة حقه في تقرير مصيره وما زالت بريطانيا منذ ذلك الوقت وحتى اليوم تتحمل مسؤولية تاريخية فيما أصاب الفلسطينيين من احتلال وتشريد ودمار وقتل وخذلان على مر السنين بسبب موقفها المتواطئ مع المشروع الصهيوني واستمرارها في دعم إسرائيل على حساب حقوق الفلسطينيين سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو من خلال التأثير على السياسات الدولية

مع بداية العدوان الإسرائيلي على غزة أصبحت بريطانيا واحدة من أكثر الدول التي تتعرض للانتقادات بسبب موقفها الداعم لإسرائيل وتحديدًا في ما يتعلق بحماية قادة الاحتلال الإسرائيلي من الملاحقة القانونية وهذا الموقف يتجاوز مجرد الدعم السياسي أو الدبلوماسي بل وصل إلى تغيير التشريعات لتسهل حماية مرتكبي الجرائم وفي هذا السياق يتزايد التساؤل هل تحولت بريطانيا إلى ملاذ آمن لمجرمي الحرب الإسرائيليين

تاريخيًا كانت بريطانيا تقدم نفسها كداعم أساسي للعدالة الدولية وتطبق مبدأ "الولاية القضائية العالمية" الذي يسمح بمحاكمة مجرمي الحرب بغض النظر عن مكان ارتكاب الجرائم لكن مع مرور الوقت أصبحت السياسة البريطانية تجاه قادة الاحتلال الإسرائيلي تبدو متواطئة بشكل واضح حيث تمكنت إسرائيل من فرض ضغط سياسي مستمر على الحكومة البريطانية لتغيير قوانينها في هذا الشأن

في عام 2005 واجه الجنرال الإسرائيلي المتقاعد دورون ألموج مذكرة اعتقال في مطار هيثرو بسبب تهم تتعلق بجرائم حرب ارتكبها في غزة حيث كانت تلك المرة الأولى التي يُجبر فيها مسؤول إسرائيلي رفيع على مواجهة العدالة خارج فلسطين ولم يعتبر هذا الحادث في تل أبيب نقطة تحوّل لمراجعة السياسات العسكرية الإسرائيلية بل رأته "كابوسًا سياسيًا" يجب أن يُمنع من التكرار ومن هنا بدأت إسرائيل في الضغط على بريطانيا بشكل منظم لمحاوله تجنب الملاحقة القضائية لقادتها في المستقبل

هذه الحملة الدبلوماسية والقانونية المكثفة أسفرت عن تغيير جوهري في قوانين بريطانيا وفي سبتمبر 2011 استجابت حكومة رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ديفيد كاميرون لهذه الضغوط عبر تعديل قانوني يفرض موافقة النيابة العامة البريطانية قبل إصدار أي مذكرة اعتقال بحق شخص متهم بجرائم حرب وهو تعديل كان يصبّ بشكل رئيسي في مصلحة إسرائيل والوزير البريطاني ويليام هيغ أشار علنًا إلى أن هذا التعديل جاء لكي " لا يشعر السياسيون الإسرائيليون أنهم لا يستطيعون زيارة هذا البلد" كما كان هذا التصريح بمثابة إعلان رسمي بأن راحة مجرمي الحرب الإسرائيليين باتت أولوية في السياسة البريطانية على حساب العدالة الدولية

ورغم هذا التعديل استمرت إسرائيل في الضغط على بريطانيا عبر الطرق السياسية والدبلوماسية لتوسيع نطاق حصانات مسؤوليها وفي 2011 أيضًا واجهت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني خطر الاعتقال في بريطانيا بسبب تورطها في جرائم حرب خلال العدوان على غزة ورغم أن مدير النيابة العامة البريطاني آنذاك كير ستارمر كان يدرس إصدار مذكرة اعتقال بحقها تم منح ليفني حصانة دبلوماسية مؤقتة ما أعطاها فرصة للإفلات من الملاحقة وهذه الحصانة أظهرت بوضوح كيف أن بريطانيا تتلاعب بالقانون لضمان حماية إسرائيل

لا زالت تتوالى الفضيحة السياسية والقانونية على الساحة الدولية ففي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تُعدّل قوانينها لحماية قادة الاحتلال كانت المحكمة الجنائية الدولية تصدر مذكرات اعتقال بحق المسؤولين الإسرائيليين بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة وبينما يسعى المجتمع الدولي لإحقاق العدالة بحق الضحايا الفلسطينيين تستمر بريطانيا في تقديم الحماية السياسية والقانونية لمسؤولي الاحتلال وهو ما يثير تساؤلات كبيرة عن مدى التزام بريطانيا بمبادئ العدالة الدولية

إن هذه المحاولات الإسرائيلية لتفريغ مبدأ "الولاية القضائية العالمية" من مضمونه واحتلالها لمواقع القوة السياسية داخل الدول الكبرى تكشف عن فساد النظام القانوني الدولي الذي يتيح لمجرمي الحرب الإفلات من المحاسبة خاصة وان بريطانيا التي كانت قد تبنّت قوانين من المفترض أن تحمي العدالة أصبحت أداة في يد إسرائيل لتجنب الحساب وفي الوقت نفسه يدفع الضحايا الفلسطينيون ثمن هذه السياسات التواطؤية فيما يبقى السؤال الأكبر قائمًا إلى متى سيستمر الغرب في تقديم الحماية القانونية والسياسية لمرتكبي جرائم الحرب الإسرائيلية بينما يُستمر في إغفال حقوق الضحايا الفلسطينيين

أحد أخطر أوجه الموقف البريطاني يتمثل في الازدواجية الصارخة في التعامل مع القانون الدولي إذ تظهر بريطانيا حزمًا وانتقائية عندما يتعلق الأمر بدول أو أطراف لا تندرج ضمن معسكر حلفائها بينما تتحول مبادئ العدالة إلى نصوص مرنة وقابلة للتأويل حين يكون المتهم إسرائيليًا وهذه الازدواجية لا تقتصر على الخطاب السياسي بل تنعكس في الممارسة القانونية ذاتها حيث تُفعَّل العقوبات وتُفتح ملفات المحاسبة بسرعة في قضايا معينة في حين يُغلق الباب أمام أي محاولة جادة لملاحقة جرائم موثقة ارتُكبت بحق المدنيين الفلسطينيين وهذا السلوك لا يضعف فقط مصداقية بريطانيا بل ينسف الثقة بمنظومة العدالة الدولية برمتها ويعزز شعورًا عالميًا بأن القانون الدولي يُستخدم كأداة سياسية لا كميزان للحق والعدالة

كما أن التماهي البريطاني مع الرواية الإسرائيلية لا يمكن فصله عن شبكة المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تربط لندن بتل أبيب وبريطانيا هنا ليست مجرد مراقب منحاز بل شريك فعلي في منظومة دعم الاحتلال سواء عبر صفقات السلاح أو التعاون الأمني أو توفير الغطاء السياسي في المحافل الدولية وهذا الدعم يجعل بريطانيا طرفًا غير مباشر في الجرائم المرتكبة إذ لا يمكن الادعاء بالحياد بينما تُصدَّر الأسلحة وتُبرَّر المجازر وتُقمع أي محاولات للمساءلة ومع كل عدوان جديد على غزة كان يتأكد أن المصالح الاستراتيجية تُقدَّم على القيم الإنسانية وأن الدم الفلسطيني يُختزل إلى رقم هامشي في حسابات السياسة الخارجية البريطانية

الأخطر من ذلك أن هذا النهج يبعث برسالة بالغة السوء إلى العالم مفادها أن الإفلات من العقاب ممكن إذا كنت مدعومًا من قوى كبرى وأن العدالة ليست حقًا إنسانيًا شاملًا بل امتيازًا سياسيًا وهذا الواقع لا يضر بالفلسطينيين وحدهم بل يفتح الباب أمام انهيار شامل لمفهوم المحاسبة الدولية ويشجع مجرمي الحرب في كل مكان على الاستمرار وهم مطمئنون إلى أن الحماية السياسية أقوى من أي محكمة أو قانون ومع هذا السياق تتحول بريطانيا من دولة تدّعي الدفاع عن النظام الدولي القائم على القانون إلى نموذج صارخ لكيفية تقويض هذا النظام من الداخل عبر تشريع الإفلات من العقاب وتطبيع الجريمة حين يكون الضحية فلسطينيًا
ختامًا لا يمكن التغاضي عن الواقع القاسي الذي يشير إلى أن مبدأ العدالة قد تحول إلى أداة يمكن تعديلها أو تجاهلها وفقًا للمصالح السياسية وبينما يسعى الشعب الفلسطيني للحصول على العدال تظهر الدول الكبرى وفي مقدمتها بريطانيا وكأنها توفر الحماية لمجرمي الحرب الإسرائيليين على حساب دماء الضحايا وهذا التصرف البريطاني السلبي يتعارض مع أبسط مبادئ الأخلاق الدولية ويشكل صفعة قوية على وجه العدالة التي باتت تفصل على مقاس المصالح الاستراتيجية الكبرى

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]







عدد المشاهدات : (819)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :