رم - د.منذر الحوارات
أطلق الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وما رافقه من تفكيك لمؤسسات الدولة، موجة واسعة من التيارات الأيديولوجية والمليشياوية التي ملأت فراغ السلطة، وتحولت سريعاً إلى فاعل رئيسي في الإقليم، وقد حظيت هذه التنظيمات بدعم واستثمار من قوى إقليمية ودولية، إلا أن المستفيد الأبرز كان إيران، التي بنت محوراً إقليمياً قائماً على الفواعل غير الدولتية، وإسرائيل، التي اقترب حلمها التاريخي بتفتيت الدول العربية من التحقق، عمّق «الربيع العربي» هذا المسار، مع تضارب التدخلات الإقليمية والدولية، ما أتاح لهذه التنظيمات المسلحة التوسع والسيطرة على الأرض، مما كرس فكرة أن دول القرن العشرين لم تعد قابلة للاستمرار بصيغتها التقليدية، وبرز التقسيم كخيار مطروح.
جرى ذلك تحت مظلة الحضور الأميركي، ما دفع الأطراف الإقليمية للتعامل مع الواقع كأمر مفروض لا يمكن تغييره إلا بإرادة واشنطن، أصبحت المنطقة أسيرة لقوى غير دولتية في العراق وسورية واليمن وليبيا والصومال والسودان ولبنان، فاختارت بعض الدول، كالسعودية ومصر والأردن، سياسة الاحتواء والتأقلم لمنع انتقال الفوضى إليها، بينما تدخلت دول أخرى ميدانياً لبناء أحزمة عازلة، مثل تركيا، في حين استثمرت أطراف ثالثة هذا التفكك لبناء محاور قائمة على الانقسام الطائفي، وكانت إيران المثال الأبرز، مقابل سعي إسرائيلي منهجي لتعميق الانقسامات الإثنية والهوياتية، بينما برز نموذج مختلف تمثل في الإمارات العربية المتحدة، التي تحلت بديناميكية سياسية وجسارة اقتصادية، وركزت على الاقتصاد الجيوسياسي والموانئ والممرات البحرية، وفصلت الاقتصادي عن السياسي، ما أتاح لها التعامل مع فواعل غير دولتية لتحقيق مصالحها، هذا المسار تقاطع مع طموحات إثيوبيا الحبيسة، التي لم تتردد في التعامل مع قوى غير دولتية للوصول إلى البحر بعد فقدان منفذها إثر انفصال إريتريا.
كان هذا كله ممكناً في ظل رعاية أميركية أعلنت رفضها تقسيم الدول وعدم الاعتراف بالحالات الانفصالية، وثبت ذلك عندما رفضت واشنطن الاعتراف باستفتاء إقليم كردستان العراق، ما عزز الانطباع بتمسكها بوحدة الدول، لكن الواقع أفرز دولاً مضطربة تحمل في داخلها عناصر تفكك مؤجلة، في ظل عجز القوى الإقليمية عن بناء صيغة مشتركة للحل، لكن في الآونة الأخيرة برزت كتلة مركزية تضم السعودية ومصر وتركيا، كانت منقسمة على نفسها سابقاً، لكنها بدأت تتخادم بوضوح في ساحات الصراع، مدفوعة بقناعة إستراتيجية، بأن استمرار النزاعات يستنزف الإقليم ويقوده إلى مآلات خطيرة.
في سورية، ظهر توافق سعودي– تركي على تحجيم النفوذ الإيراني وإفشال محاولات التقسيم، المدفوع إسرائيلياً، وفي السودان، التقت الرياض وأنقرة مع القاهرة على دعم الجيش باعتباره الشرعية، وتم استدعاء باكستان عبر صفقة تسليح موّلتها السعودية، وفي اليمن، دعمت الدولتان السعودية في حماية عمقها الإستراتيجي في حضرموت، ومنع التقسيم، بينما تشكل في أرض الصومال تحالف ثلاثي في مواجهة إثيوبيا وإسرائيل.
أما دوافع هذا التحول، فتعود أساساً إلى واشنطن، التي أعادت توزيع اهتمامها نحو النصف الغربي من العالم، بالتوازي مع تصاعد القلق الوجودي الأميركي من صعود الصين، هذا التحول يهدد بفراغ إستراتيجي قد تستغله قوى مسلحة مدعومة إقليمياً لإعلان كيانات انفصالية، بما يعني سلسلة لا يمكن إيقافها من تفكك وانقسام الدول، وهو ما دفع هذه الكتلة إلى مواجهته في الصومال وسورية وليبيا واليمن، يتمثل العامل الثاني في هامش الاستقلالية الذي وفره عدم تدخل إدارة ترامب في كيفية إدارة الحلفاء لشؤونهم، طالما لم تتعارض مع المصالح الأميركية الكبرى، ما شجع على بلورة نظام إقليمي ذاتي القيادة، يملأ الفراغ دون الاصطدام بواشنطن.
لقد جمعت هذه المخاوف السعودية ومصر وتركيا، ومعها الأردن ودول خليجية أخرى، حول أولوية منع تفكك الدول، وتأمين الممرات البحرية، ومنع تحولها إلى ساحات صراع، كما في اليمن والصومال والسودان، إضافة إلى الحاجة لتصفير الخلافات البينية للتفرغ للتنمية، واستدامة الاستقرار، تبلور عن هذا الوضع توجهان: الأول تقوده السعودية ومصر وتركيا، بالإضافة إلى الأردن ومجمل دول الخليج، ويسعى لحماية خريطة الدول التقليدية عبر دعم الدولة المركزية والجيوش النظامية يمكن أن يطلق عليهم» حراس الدولة»، والثاني تحالف مصلحي تقوده إسرائيل بالشراكة مع إثيوبيا، لا يهتم ببقاء الدول بقدر اهتمامه بالغايات؛ فإسرائيل ترى التفتيت ضمانة لأمنها، فيما تسعى إثيوبيا إلى منفذ بحري ومكانة إقليمية بأي ثمن.
غير أن هذا التفاهم الثلاثي، يواجه عقبة أساسية تتمثل في التوفيق بين مصالح كل طرف، والتزاماته وتحالفاته السابقة، وبين الهدف النهائي المتمثل بالعبور بالأقليم من الخطر المحدق بدولة المتمثل بالتقسيم والتفكك، كما سيواجه هذا التوافق باحتمالية سوء الفهم الأميركي لغاياته والخوف من استقلاله عنها، مما سيدفع بها بتشجيع من إسرائيل على نسفه، وهي قادرة على ذلك، بالتالي فإن ما تقوم به هذه الدول لا يزال في مرحلة إعادة التموضع في محاولة للعبور بالإقليم من هذه المرحلة الخطيرة، أما هل يتحول هذا الشكل من التعاون إلى تحالف؟ يبدو أنه من المبكر التنبؤ بذلك.