رم - المهندس محمد عبدالحميد المعايطة
أُعلن مؤخراً أن خمسة وزراء أردنيين عقدوا مؤتمراً صحفياً للحد من ظاهرة رمي النفايات العشوائي ، خبرٌ يبدو في ظاهره إدارياً ، لكنه في جوهره مثال صارخ على سياسة الهروب إلى الهامش، حيث تُستَخدم قضايا ثانوية لتدوير النقاش العام بعيداً عن أزمات أعمق وأكثر إحراجاً للحكومة ، وهو مشهد يُذكّر تماماً بقصة «جنيّة الانتخابات» التي جرى تسويقها رسمياً لتشتيت الرأي العام، بدل فتح ملف شراء الأصوات وتزوير الإرادة الشعبية في الانتخابات السابقة.
في الريف الأردني، وحتى عام 1980، لم تكن هناك خدمة جمع النفايات ، ولا عمّال نظافة ولا آليات ولا خطط ولا موازنات، ومع ذلك، كانت القرى أنظف مما هي عليه اليوم ، كانت هناك "مزابل" معروفة، بعيدة عن البيوت وكان الالتزام المجتمعي عالياً في نقل وطرح النفايات فيها ، خصوصاً من النساء، دون حملات توعية ودون إعلام .
هذا الواقع وحده يُسقط الرواية الرسمية التي تُحمّل المواطن مسؤولية الفوضى، بل يتحوّل الأمر إلى اتهام مباشر لطبيعة الإدارة والحكم .
السؤال الذي يجب أن يُوجَّه للوزراء : ليس كيف نمنع رمي النفايات؟
بل: كيف نجح مجتمع أفقر، وأقل تعليماً ، وأضعف مؤسسات، في الحفاظ على نظافة فضائه العام أكثر من دولة ترهلت بالوزارات والهيئات؟
الصحفي الإيرلندي المناصر لفلسطين الراحل روبرت فيسك، الذي عاش في بيروت قرابة أربعين عاماً ، لخّص هذه المعضلة الأخلاقية والسياسية بقوله:
«العرب من أنظف الناس في منازلهم، لكنهم في الشوارع من أوسخهم، لأنهم يشعرون أن ما خارج منازلهم ليس ملكهم، بل ملك فئة ضيقة تحكمهم».
المشكلة إذن ليست ثقافية، ولا تربوية، ولا سلوكية، بل سياسية بامتياز ، فالفضاء العام يتحوّل إلى مكبّ نفايات عندما يشعر المواطن أنه مُستبعَد، مسحوق، بلا صوت، ولا حق، ولا قيمة، عندها لا يرى في الشارع وطناً ، بل ساحة مباحة للانتقام الصامت.
محاربة النفايات لا تبدأ بالإعلانات ولا بالتعاميم ولا بالاجتماعات البروتوكولية ولا بفرض الغرامات وتركيب الكاميرات ، بل بالاعتراف بأن العدالة هي النظافة الحقيقية، وأن الفساد هو القمامة الأخطر.
القيم التي يتباكى عليها المسؤولون لم تختفِ صدفة، بل قُتلت عمدًا عندما جرى تدمير فكرة المواطنة، وحُوِّل الوطن إلى ملكية خاصة لفئة ضيقة، تحتكر القرار، وتستأثر بالثروة، وتطالب الباقين بالانضباط والصمت.
لا ولاء دون عدالة، ولا انتماء دون مساواة، ولا نظافة في وطن يُدار بلا مساءلة ولا سيادة قانون.
أما الحديث عن حملات توعوية ومبادرات وزارية في ظل هذا الواقع، فليس إلا خضّاً للماء الآسن، ومحاولة فاشلة لتجميل القبح السياسي بالحد من ظاهرة الطرح العشوائي للنفايات.