الحياصات يكتب : نحن لا نُفكّر… نحن نتحرّك


رم - الاستاذ الدكتور علي حياصات

لنتوقف عن المجاملات، مشكلتنا الحقيقية ليست في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا في (الخوارزميات) ، ولا حتى في الآخر الذي نتهمه دائمًا بالتأثير علينا. مشكلتنا أننا لا نفكّر بما يكفي، وأننا اعتدنا أن نتحرّك جماعيًا بدل أن نفكّر فرديًا.

نستخدم (واتس آب وفيس بوك وإكس وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي) بأدوات القرن الحادي والعشرين، لكن بعقلية القرنيين الثامن والتاسع الميلاديين او ( الثاني والثالث الهجريين) ، يقوم على التبعية، والخوف من الاختلاف، والاحتماء بالجماعة. ولهذا، فإن أي مساحة رقمية نصل إليها، نحولها سريعًا إلى نسخة رقمية من أسوأ ما في واقعنا.

لنأخذ مجموعات (واتس آب) مثالًا واضحًا. هذه المجموعات لا تُدار غالبًا بالعقل أو الهدف، بل بالصوت الأعلى. قلّة تكتب كثيرًا، فتفرض إيقاعها، وتُغرق المجموعة برسائل لا تضيف معرفة ولا تُنتج نقاشًا. لا أحد يطلب ذلك، ولا أحد يعترض. الأغلبية تصمت، لا لأنها موافقة، بل لأنها تعلّمت أن الصمت أقل كلفة من النقاش او حتى التفكير لا بمحتوى ولا شكل هذه الرسائل.

هنا لا يكون (واتس آب) وسيلة تواصل، بل أداة إخضاع ناعمة. من يرسل أكثر يسيطر أكثر. ومن يسأل يُحرج. لكن من يعترض او حتى يُناقش يُقمع. هكذا ببساطة.

وما يحدث في هذه المجموعات الصغيرة هو نسخة مصغّرة عمّا يحدث في الفضاء العام. منشور واحد على (فيس بوك) قادر على تحويل رأي فردي إلى (موقف عام)، لا لأنه صحيح، بل لأنه انتشر. ثم يظهر رأي مضاد، فيتحوّل هو الآخر إلى موجة. وفي الحالتين، لا أحد يسأل، هل هذا منطقي؟ هل هذا دقيق؟ هل نملك معلومات كافية أصلًا؟

الجدل الذي أُثير في الأردن حول استقبال السفير الأمريكي لتقديم العزاء في ديوان إحدى العشائر لم يكن أزمة سياسية او دبلوماسية، بل اختبارًا للعقل العام، وقد فشلنا فيه. لم نفشل لأننا اختلفنا، بل لأننا لم نفكّر. انقسمنا بسرعة، اصطففنا، رفعنا الصوت، وخضنا معركة رمزية، بينما غابت الأسئلة الأساسية حول السياق، والدلالة، والفصل بين الإنساني والسياسي.

هذا السلوك ليس جديدًا، لكنه اليوم أخطر، لأن سرعة المنصّات تضخّمه وتكافئه. وسائل التواصل الاجتماعي لا تفرض علينا أن نكون قطيعًا، لكنها تُغري بذلك. تُكافئ الانفعال، وتُعاقب التروّي، وتمنح المساحة لمن يصرخ لا لمن يفكّر.
والأخطر أننا نُضفي على هذا السلوك غطاءً أخلاقيًا أو دينيًا أو اجتماعيًا، وكأن التفكير النقدي فعل مشبوه، وكأن السؤال خيانة، وكأن الاختلاف تهديد للنسيج الاجتماعي. بهذه الطريقة، لا نقتل النقاش فقط، بل نقتل العقل نفسه.

وإلى أن نمتلك الشجاعة في إعادة قراءة تاريخنا لا بوصفه ماضيًا مقدّسًا، بل تجربة بشرية قابلة للخطأ والمراجعة، سنبقى أسرى عقلية القطيع. ولسنا، في الحقيقة، متخلّفين بقدر ما نحن مختلفين عن بقية الأمم. فالمتأخر يمكنه أن يلحق بالركب، كما فعلت شعوب كثيرة، أما المختلف فلن يلحق أبدًا، لأنه لا يسير ببطء، بل يسير بعناد في الاتجاه المعاكس للعلم والمعرفة والأسلوب العلمي في التفكير.

ومن يختار هذا الطريق، عليه أن يتوقف عن السؤال، لماذا تأخرنا؟ فالإجابة واضحة ، لأننا قررنا ألّا نفكّر.




عدد المشاهدات : (4214)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :