رم - الدكتور ليث عبدالله القهيوي
رغم كثرة خطط الإصلاح الإداري، وتعدد الاستراتيجيات الوطنية، وتوالي برامج التحديث الحكومي، ما زال القطاع العام في كثير من دولنا يعاني فجوة واضحة بين ما يُعلن من نوايا وما يتحقق من أثر. ليست المشكلة في غياب الرؤى، ولا في نقص الكفاءات، بقدر ما هي في اختناق عميق داخل منظومة القرار نفسها؛ اختناق يُفرغ السياسات من مضمونها، ويحول الجهود الإصلاحية إلى حركة بلا اتجاه واضح. في الحالة الأردنية، تظهر هذه الفجوة على هيئة تفاصيل يومية يلمسها المواطن: خدمة تتأخر دون تفسير، قرار يتعطل بين مستويات متعددة، مبادرة تُدفن في سلسلة إجراءات، ومؤشرات تتغير على الورق أسرع مما تتغير في واقع الأداء.
السؤال الجوهري لم يعد: هل نملك كفاءات قادرة على التغيير؟ بل: هل نملك منظومة تثق بهذه الكفاءات، وتمكنها، وتحاسبها على الأثر لا على الامتثال؟ فالتجربة العملية تُظهر أن كثيرًا من المؤسسات العامة تزخر بخبرات مؤهلة، لكنها تعمل ضمن هياكل لا تسمح لها بالمبادرة، ولا تكافئ الإنجاز، ولا تحمي القرار المهني من التآكل البيروقراطي. هنا يبدأ التشخيص الحقيقي: المشكلة ليست فردًا ضعيفًا أو موظفًا غير مؤهل بقدر ما هي منظومة تُعيد تشكيل سلوك الأفراد وتعيد توجيه طاقتهم. الكفاءة حين تُحاصر تتعلم الصمت، والقدرة حين تُعاقب تتعلم التراجع، والموظف الذي يرى أن الأمان الوظيفي يرتبط “بعدم إحداث مشكلة” سيصبح خبيرًا في إدارة الوقت بدل صناعة الأثر.
في هذا السياق، يصبح الإصلاح الإداري تحديًا مركبًا لا يمكن اختزاله في إعادة هيكلة أو تعديل تشريعي أو برنامج تدريبي جديد. فالكثير من محاولات الإصلاح تفشل لأنها تتحرك على سطح المشكلة: تبديل مسميات، دمج وحدات، إطلاق منصات، أو عقد دورات تدريبية، بينما يبقى القلب النابض للأزمة ثابتًا: مركزية القرار، ضبابية المسؤوليات، وتكلفة الخطأ التي تتجاوز دائمًا مكافأة الصواب. ولذلك نرى المفارقة الصادمة: مؤسسات ممتلئة بالكفاءات… وأثر ضعيف. ليست الكفاءات ناقصة، لكن مسارها نحو الأثر مقطوع. هناك “تسرب للطاقة” داخل الطريق الإداري نفسه: تآكل القرار عبر موافقات متتالية، تضخم دور التدقيق على حساب التمكين، وتحول الإدارة إلى جهاز دفاعي يفضل سلامة الإجراء على جرأة التحسين، وفي كثير من المؤسسات، لا يتجاوز متوسط زمن اتخاذ قرار تشغيلي بسيط أسابيع، ليس لتعقيده، بل لتعدد مستويات التوقيع، وتداخل الصلاحيات، والخشية المزمنة من تحمل المسؤولية.
وعندما تتعطل منظومة الثقة، تتوسع آثارها إلى ما هو أبعد من المؤسسة. تتراجع ثقة الموظف بمؤسسته وبعدالة تقييمه، وتتراجع ثقة المواطن بإمكانية تحسن الخدمة، وتصبح العلاقة بين الدولة والمجتمع علاقة اختبار دائم بدل شراكة. في هذه البيئة، حتى المبادرات الجيدة تفقد زخمها، لأن الموظف لا يرى قيمة للمبادرة إذا كانت ستُقابل بالتشكيك، ولا يرى جدوى للاجتهاد إذا كان معيار النجاح هو الامتثال لا الأثر. ومع الوقت تتكون ثقافة “الحد الأدنى”؛ حيث تصبح الجودة سقفًا منخفضًا مقبولًا ما دامت لا تفتح باب الأسئلة.
من هنا يأتي التحول المطلوب: من إدارة الموارد إلى إدارة الثقة والأثر. إدارة الموارد وحدها تعيينًا وتدريبًا وتنظيمًا لا تكفي إذا بقيت الثقة عنصرًا مفقودًا في المعادلة. المطلوب نموذج تشغيل جديد يتعامل مع الثقة كأصل مؤسسي: تفويض حقيقي للقيادات الوسطى ضمن حدود واضحة، ومسؤوليات محددة، ومؤشرات أداء تقيس النتائج لا الأنشطة. لا يكفي أن نقيس عدد المعاملات المنجزة؛ بل نحتاج أن نقيس زمن الخدمة، جودة التجربة، الانضباط المالي، وانعكاس القرار على حياة المواطن. وفي الوقت نفسه يجب حماية القرار المهني عبر مسارات شفافة تضمن أن الاجتهاد المسؤول لا يتحول إلى فخ، وأن الخطأ غير المتعمد في سياق تحسين الأداء يُدار بالتعلم لا بالعقاب.
الأثر لا يولد من “الإجراءات الصحيحة” وحدها، بل من القدرة على اتخاذ قرار في الوقت المناسب. لذلك يصبح تمكين القيادات الوسطى نقطة استراتيجية؛ لأنها الحلقة التي تتحول فيها السياسات إلى تنفيذ. وحين تُستعاد هذه الحلقة بالتفويض والمساءلة العادلة تتحول المؤسسة من كيان يدير حركة العمل إلى كيان يصنع نتائج قابلة للقياس. وفي المقابل، حين يبقى القرار محبوسًا في القمة، تتحول الحكومة إلى مركز موافقات لا مركز حلول، وتتحول الرقمنة إلى ميكنة بيروقراطية بدل أن تكون اختصارًا للمسافة بين المواطن والدولة.
في النهاية، لا يمكن لأي دولة أن تُراكم الثقة العامة وهي تُدار بمنطق الحذر المفرط، ولا أن تبني كفاءة مؤسسية وهي تُقيد القرار المهني بسلاسل الإجراء والخوف من الخطأ. الإصلاح الحقيقي في القطاع العام لا يبدأ من تغيير الوجوه، ولا من استيراد نماذج جاهزة، بل من شجاعة الاعتراف بأن جزءًا من الأزمة هو أزمة ثقة في الإنسان، وفي قدرته على الإنجاز حين يُمكن ويُحاسَب بعدالة. رسالة صانع القرار اليوم يجب أن تكون واضحة: الكفاءة ليست تهديدًا للاستقرار، بل شرطه الأول. وتمكين القيادات الوسطى، وحماية القرار المهني، وربط التقييم بالأثر لا بالامتثال، لم تعد ترفًا إداريًا، بل ضرورة سيادية في عالم تتسارع فيه التحولات وتتراجع فيه قدرة الدولة على الاحتمال دون نتائج ملموسة.
إن الاستثمار في الثقة المؤسسية هو الاستثمار الأقل كلفة والأعلى عائدًا. فحين يشعر الموظف العام أن صوته مسموع، وأن أداءه يُقاس بعدل، وأن المبادرة لا تُعاقَب، تتحول المؤسسة من عبء تشغيلي إلى رافعة وطنية. عندها فقط، يصبح القطاع العام قادرًا على استعادة دوره الحقيقي: خدمة المواطن، وتنفيذ السياسات، وصناعة الأثر. القرار بيد صانع القرار، لكن كلفته سلبًا أو إيجابًا سيدفعها الجميع.