البنى التحتية: بين إدارة المستقبل وضغوط الجغرافيا السياسية


رم - د. روان سليمان الحياري

لم تعد البنى التحتية في الدول مجرد شبكات خدمية صمّاء، بل أصبحت اليوم أداة استراتيجية تعكس ضمان الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وعدالة التوزيع. ففي ظل التحولات الديموغرافية المتسارعة، والتغير المناخي، وتحديات الموارد، باتت استدامة البنى التحتية محورًا مركزيًا في التفكير السياسي الاستراتيجي، لا سيما في الدول النامية، الذي تشكل البنى التحتية فيه العمود الفقري. فهي ليست شرطًا للنمو الاقتصادي وحسب، بل بل جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني، وإدارة المخاطر على المستوى الكلي والشمولي، يحتاج العمل عليه من خلال إطار استراتيجي عملي مستدام، لتعزيز استدامة البنى التحتية، بناء على إعادة تعريف الأولويات، والحوكمة، وربط الاستثمار فيها بالبُعد التنموي طويل الأمد.

يواجه الأردن اليوم، تحديات استراتيجية متراكمة في إدارة واستدامة بنيته التحتية، نابعًا من مزيج معقّد من شحّ الموارد الطبيعية وارتفاع كلفة تأمينها وبالاخص المياه والطاقة، النمو السكاني المتسارع، الضغوط الإقليمية، وتداعيات اللجوء، إلى جانب محدودية الإنتاج، والتوزيع التنموي بين المحافظات، علاوة على التحديات الاقتصادية بما فيها ضعف الاستدامة المالية للمشاريع القائمة واستدامة التكامل المؤسسي بين الجهات المنفذة.

ومن هنا، تبرز الضرورة الحتمية لوضع استراتيجية وخطة عمل وطنية، للبنى التحتية المستدامة -بما فيها: النقل، الطاقة، المياه، الصرف الصحي، الاتصالات، والإسكان- نحو المحافظات، بناء على خصوصية كل محافظة وأولوياتها، تضمن إعادة توجيه وتوزيع الاستثمار في البنى التحتية، وضمان الاستدامة المالية له -بنموذج تمويلي مبني على الانتقال من "الإنشاء" إلى "دورة الحياة الكاملة للمشروع" بما يضمن تحسين كفاءة الإنفاق والصيانة الوقائية- وربط التمويل بأهداف تنموية واضحة لا مشاريع مجزأة، علاوة على أهمية التسريع في التحول نحو البنى التحتية الذكية، من خلال الاستثمار في الرقمنة وإدارة البيانات، وتبني حلول تكنولوجية منخفضة الكلفة ومناسبة للبيئة الأردنية، تخلق فرص عمل محلية مستدامة، وتشرك المجتمعات المحلية في التخطيط والتنفيذ، وترسخ -عمليا- الحوكمة الرشيدة في التوزيع والادارة، وتحد من الهدر، في اطار قابل للتطبيق والقياس، يرتبط باطار زمني محدد، ويخضع للمسائلة.

فعلى سبيل المثال، ان أي خلل في شبكات المياه -تزويدا أو تصريفا- يشكل تهديدًا حيويا مباشرًا، كما وان التحول نحو الطاقة المتجددة لم يعد خيارًا بيئيًا فقط، بل قرارًا استراتيجيًا يصب في مفهوم التحول الى دولة الانتاج، أما النقل واللوجستيات، فيفترض أن تكون بنيته التحتية جسرًا إقليميًا وميزة تنافسية للأردن -لا عبئًا داخليًا- بحكم موقعه الجغرافي.

إن النجاح في هذا الملف يتطلب قرارًا شجاعًا، وتكاملًا مؤسسيًا ممكناً، ورؤية طويلة الأمد تتجاوز الحلول الظرفية، فلم تعد البنى التحتية مجرد ملف خدمي أو تنموي، أو بند إنفاقي في موازنات الدول، فالدولة التي تنجح في إدارة بنيتها التحتية واستدامتها، بالمختصر.. تضع أساسًا صلبًا لمستقبل أفضل.



عدد المشاهدات : (4374)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :