رم - بقلم الدكتور : دانيه بشير عربيات
مفترق تحولات عالمية كبرى يعاد فيها تعريف القوى ومفاهيم السيادة وتفرغ المعايير من مضمونها حين تتعارض مع المصالح… ما يجري حاليا هو انتقال من نظام دولي أنهكته التناقضات إلى واقع أكثر قسوه…. تدار فيه الأزمات بعيدا عن البحث عن الحل.. وإنما لإدامتها وضبط مخرجاتها بما يخدم موازين النفوذ الجديدة…
حروب لاتخاض فقط بالسلاح بل أيضا بالاقتصاد والمعلومات…. والاخطر من هذا هو إرهاق المجتمعات حتى تفقد قدرتها على المقاومة…. فرض العقوبات باسم القانون الدولي حينا ويتم تعليقه حين يتم احراج من يفترض أنهم حراسه…. اصبحت الشرعية الدولية شعارا فقط وباتت العدالة تعرف وفق موقع الدولة من خارطة القوى لا وفق نصوصها المعلنة...
المنطقة العربية..وتحديدا الشرق الأوسط ساحة الإختبار الأوضح….دول تستنزف وأخرى تعاد هيكلتها سياسيا واقتصاديا وصراعات تدار بجرعات محسوبة كي لا تنتهي… لأن انتهائها يعني فقدان أدوات الضغط…أما القضية الفلسطينية..فتمر بأخطر مراحلها لتحويلها إلى واقع طبيعي…
وسط هذا المشهد المركب يتموضع الأردن في مساحة دقيقة لا تحتمل الخطأ فجغرافيا الموقع السياسي يفرض أثمانا… إن لم يدار بحكمة…ولن يكون في موقع الضعف الذي يفرض عليه التنازل... فهو يحمل دورا في المنطقة وجزءا اساسيا من احداث التوازن الصعب..فتحسب الكلمة كما يحسب الفعل ويدار الموقف بقدر من الصمت المدروس…
الموقف الأردني المحتمل لا يمكن قراءته بمعزل عن تاريخه السياسي..فهو موقف يقوم على منع الانزلاق قبل إدارة الصدام…وعلى حماية الداخل كشرط لأي دور خارجي… بدون اندفاع او حياديه سلبية تفسر على أنها قبول بالأمر الواقع…فهناك تمسك بثوابت لا تخضع للمساومة..وفي مقدمتها الهوية الوطنية..والوصاية الهاشمية…ورفض أي تسويات لترحيل الأزمات إلى الداخل الأردني تحت أي مسمى…
ما يميز الأردن في هذه المرحلة ليس بامتلاكه لأدوات الضغط التقليدية.. إنما بقدرته على قراءة اللحظة..وإدراك أن البقاء ليس في رفع السقف الخطابي والحفاظ على مساحة القرار المستقل حتى وإن ضاقت الخيارات….
في زمن الانقسام الحاد..أصبح الثبات موقفا سياسيا بحد ذاته..
المرحلة المقبلة لن تحتمل أوهام الاصطفاف الأخلاقي ولا ترف الشعارات…إنها مرحلة تتطلب وعيا نقديا يدرك أن ما يقدم على أنه حلول قد يكون إعادة تدوير للأزمات..وأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تدار التحولات الكبرى بعقلية رد الفعل لا برؤية استراتيجية…
في هذا العالم المتحول قد ينجو من يرفع صوته أكثر لمرحلة ما.. لكن الأدوم هو من يعرف متى يتكلم ومتى يصمت ومتى يختار أن يقف بثبات دون أن يلوح بقبضته…والأردن كما كان في كل المحطات المفصلية السابقة يدرك أن السياسة مسؤولية تاريخية في زمن تصمد فيه التوازنات المدروسة