رم - د. عمر مقابلة - اول رئيس مجلس محافظة لاربد
إلى من بيدهم القرار،
وإلى من صاغوا القوانين، ثم راقبوا تعطيلها،
وإلى من يديرون مؤسسات الدولة من مراكزها، ويطالبون أطرافها بالصبر والفهم،
هذا بيانُ أسفٍ قبل أن يكون بيانَ اعتراض،
وبيانُ نصيحة قبل أن يكون بيانَ لوم.
حين أُقِرّ قانون اللامركزية رقم (49) لسنة 2015، ثم أُعيد تنظيمه ضمن قانون الإدارة المحلية، لم يكن ذلك تفصيلاً إدارياً عابرًا، بل كان إعلاناً سياسياً بأن الدولة الأردنية وصلت إلى قناعة مفادها أن المركزية المفرطة لم تعد صالحة لإدارة تنوّع المحافظات، ولا قادرة على تشخيص أولوياتها، ولا عادلة في توزيع مكتسبات التنمية.
لكن ما حدث لاحقًا لم يكن تطويراً للتجربة، بل تقويضاً لها. لقد جرى، عملياً ، تفريغ مجالس المحافظات من جوهرها، وحصر دورها في التوصية غير الملزمة، والنقاش غير المؤثّر، والمشاركة الشكلية في إعداد موازنات لا تملك تعديلها الجوهري، ولا التحكم بأولوياتها الحقيقية. فأين “القرار المحلي” حين تبقى كل المفاتيح بيد المركز؟ وأين الشراكة حين تكون المرجعية النهائية دائماً خارج المحافظة؟
أما البلديات، فقد وُضعت في معادلة شديدة الخطورة:
رئيس بلدية منتخب من الناس، لكنه منزوع الصلاحيات الفعلية،
ومدير بلدية مُعيَّن، تُجمع بيده السلطة الإدارية والمالية.
وهذا ليس خللاً تنظيميًا، بل تناقض دستوري في الروح، وإن لم يُسمَّ كذلك في النص. فالديمقراطية المحلية لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع، بل بحجم السلطة التي تُمنح لمن يُنتخب. وأي انتخاب بلا قرار، هو تحميل للمنتخبين وزر الفشل، دون تمكينهم من النجاح.
ثم يُقال اليوم — وبكل بساطة — إن “اللامركزية لم تنجح”.
نقولها بوضوح:
اللامركزية في الأردن لم تفشل، بل أُفشلت.لم تُمنَح الزمن الكافي، ولا الصلاحيات الكافية، ولا الثقة السياسية اللازمة. جرى تقييدها بالتعليمات، وتحجيمها بالموازنات، وتطويقها بثقافة إدارية لا تزال ترى في نقل القرار تهديداً لا فرصة.
والسؤال الذي لا يمكن الهروب منه:
إذا كان الخيار الحقيقي هو العودة إلى المركزية، فلماذا لم يكن ذلك صريحاً منذ البداية
ولماذا أُنفقت الأموال العامة على انتخابات، وهياكل، وتدريب، وتجارب، إن كان السقف السياسي لا يسمح أصلًا بنقل السلطة إلى المحافظات؟
إن أخطر ما في هذا المسار، ليس تعطيل قانون، بل ضرب الثقة العامة. فحين يشعر المواطن في إربد والطفيلة، أو المفرق، أو معان، أو الكرك، أن صوته لا يغيّر شيئًا، وأن المجالس التي انتخبها لا تملك قراراً، فإننا لا نُضعف الإدارة المحلية فقط، بل نُضعف الإيمان بالمشاركة ذاتها.
وهذا خطر استراتيجي على الدولة، لا مسألة إدارية.
إننا لا نطالب بالمستحيل، ولا ندعو إلى فوضى صلاحيات، بل إلى ما نُصَّ عليه أصلًا:لامركزية حقيقية، لا مُعلَّقة.
مجالس منتخبة بصلاحيات واضحة، لا مجالس واجهة. بلديات يُحاسَب رؤساؤها لأنهم يملكون القرار، لا لأنهم واجهة لغضب الناس.
هذا بيان أسى على مشروع كان يمكن أن يكون نقطة تحوّل في تاريخ الإدارة الأردنية، لكنه يُدفن اليوم تحت عناوين “المراجعة” و”التقييم”، بينما الحقيقة أنه يُسحب من مضمونه.
لكِ الله يا بلديات الأردن،
ولكِ الله يا مجالس المحافظات،
أما اللامركزية، فستبقى فكرة حيّة…
تنتظر فقط من يؤمن بها، لا من يخشاها .