رم - زيد ابو شقرة
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
يأتي هذا التقرير انطلاقاً من المسؤولية الوطنية والأخلاقية، واحتراماً لمبدأ التبيّن والموضوعية، بهدف توضيح الملابسات الحقيقية لما جرى خلال *ورشة تدريبية بعنوان: (التوحد وفئات التربية الخاصة والتشخيص والمؤشرات)* والتي أُقيمت داخل جامعة اليرموك، وما تبعها من تداول واسع لمقطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي، أدى إلى إطلاق أحكام عامة لا تستند إلى الصورة الكاملة للوقائع، وأساء إلى مؤسسة تعليمية وطنية ذات تاريخ عريق.
الغاية من هذا التقرير ليست التبرير أو الإنكار، بل تصويب المسار، ووضع الحدث في سياقه الصحيح، والتمييز الواضح بين التصرفات الفردية غير المنسّقة، وبين الموقف المؤسسي الذي يحكمه النظام والقانون والقيم الأكاديمية.
خلال الورشة التدريبية التي تناولت موضوع اضطراب طيف التوحد، والتي عُقدت ضمن إطار توعوي تدريبي أكاديمي معروف، حضر عدد من الطلبة والمهتمين من داخل الجامعة وخارجها. وكان من بين الحضور شخص معروف على منصات التواصل الاجتماعي باسم (مكس)، وقد كان حضوره بصفته أحد الحاضرين فقط، دون أي صفة رسمية بل ك دعوة من صديقه الطالب.
فقد أقدم طالب واحد، وبقرار فردي مفاجئ، على تقديم درع تكريمي إلى الشخص المذكور أعلاه خلال لحظات قصيرة، دون علم جامعة اليرموك، ودون أي تنسيق مسبق، ودون موافقة الجهة المشرفة على الورشة التدريبية
كما أن الدرع المُقدّم لا يحمل شعار الجامعة، ولا يمثلها بأي شكل رسمي أو إداري، إضافة إلى أن مناداة الشخص باسمه الحقيقي لم تكن أمراً مخططاً له، ولم تصدر عن إدارة الورشة أو الجامعة.
إلا أن مقطع فيديو مقتطع من سياقه تم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتم تحميل جامعة اليرموك كامل المسؤولية عن تصرّف فردي لا يمتّ لها بصلة تنظيمية أو إدارية، الأمر الذي أدى إلى تشويه صورة المؤسسة، وتجاهل الوقائع الأساسية التي تحيط بالحدث.
إن أخطر ما في هذه القضية لم يكن الحدث ذاته، بل حالة الإستعجال في إصدار الأحكام، والتعميم، وتغييب مبدأ سماع جميع الأطراف قبل إطلاق المواقف. فمحاسبة المؤسسات لا تكون عبر مقاطع مجتزأة، ولا عبر الانفعال الجماهيري، بل عبر الوقائع الموثقة والمعايير العادلة.
جامعة اليرموك ليست مؤسسة طارئة على المشهد الوطني، بل تُعد من أعرق مؤسسات التعليم العالي في المملكة الأردنية الهاشمية، وكان لها دور محوري في تخريج آلاف الكفاءات الوطنية في مختلف المجالات، وأسهمت في بناء الوعي الفكري، وترسيخ قيم الحوار، ودعم البحث العلمي، والعمل العام المسؤول.
هذا التاريخ المؤسسي الراسخ لا يمكن اختزاله أو الحكم عليه من خلال موقف فردي عابر لا يمثل الجامعة ولا يعكس نهجها.
ومن واقع التجربة الطلابية، فإن جامعة اليرموك كانت وما زالت بيئة حاضنة للتحوّل الإيجابي. أتحدث هنا بصفتي طالباً دخل هذه الجامعة دون وعي حقيقي بالحياة الجامعية أو بالعمل العام، ودون أي تجربة في المبادرات أو القيادة، كما هو حال مئات الطلبة الذين يبدأون مسيرتهم الجامعية وهم محصورون في إطار القاعات والمساقات فقط.
غير أن ما وفرته الجامعة وتحديداً عمادة شؤون الطلبة من دعم أكاديمي، واحتضان للأفكار، ومساحة آمنة للتجربة، أحدث تحولاً جذرياً في المسار.
من طالب عادي، انتقلت إلى قيادة عشرات المبادرات والأعمال التطوعية، وتأسيس أفرقة تطوعية طلابية من الصفر، وتحمل مسؤوليات تنظيمية وإدارية أسهمت في بناء وعيي القيادي، وصقلت شخصيتي، وربطتني بقضايا المجتمع والعمل الجماعي.
هذه التجربة لم تكن حالة فردية أو استثنائية، بل نموذجاً متكرراً عاشه مئات الطلبة داخل جامعة اليرموك، ممن وجدوا في هذه المؤسسة بيئة داعمة، ودكاترة مؤمنين بقدرات الشباب، وإدارة تشجّع المبادرة ولا تقمعها.
لقد شكّلت الجامعة نقطة تحوّل حقيقية في حياة كثير من الطلبة، نقلتهم من موقع المتلقّي إلى موقع الفاعل والمؤثر.
ويأتي هذا الدور الجامعي منسجماً تماماً مع التوجيهات والرؤية الوطنية التي يؤكد عليها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في تمكين الشباب، وبناء الإنسان الأردني القادر على المشاركة الفاعلة في التنمية الشاملة، كما ينسجم مع ما يشدد عليه سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني من أهمية إشراك الشباب في الحياة العامة، وتعزيز ثقافة المبادرة، والعمل الجماعي المسؤول، باعتباره أساساً لمستقبل أكثر وعياً واستقراراً.
إن ما جرى خلال الورشة التدريبية يُعد تصرّفًا فرديًا لا تتحمل جامعة اليرموك مسؤوليته، ولا يجوز أن يكون مبرراً لإطلاق أحكام عامة أو تشويه صورة مؤسسة وطنية. فالنقد البنّاء يقتضي التمييز بين الخطأ الفردي والدور المؤسسي، ويقوم على الفهم والتبيّن لا على الإدانة المتسرعة.
جامعة اليرموك ليست مشهداً عابرًا، ولا لقطة مصوّرة، بل مؤسسة تعليمية وطنية ذات رسالة أكاديمية ومجتمعية واضحة، أسهمت في بناء أجيال، وكانت وما زالت رافعة للتغيير الإيجابي في المجتمع الأردني.
وصدر هذا التقرير بهدف إيضاح الحقيقة كاملة، وإنصاف جامعة اليرموك، وترسيخ مبدأ التبيّن قبل إصدار الأحكام، حفاظاً على سمعة المؤسسات الوطنية، وعلى المسار الإيجابي الذي يستحق أن يُصان لا أن يُدان.