رم - خاص
بعض الرجال لا يدخلون الدولة من باب السياسة، بل من باب المعرفة، وصالح ارشيدات واحد من هؤلاء، رجل بدأ رحلته مع الخرسانة والحسابات الصامتة، قبل أن ينتقل إلى هندسة أكبر .. هندسة الدولة.
ولد في إربد عام 1946، المدينة التي تنجب رجالا يشبهون أرضها، صلبة، واضحة، قليلة الضجيج، هناك تشكّلت ملامحه الأولى، وهناك تعلم أن المسؤولية لا تقال، بل تحمل .
غادر مبكرا نحو العلم، فحمل معه الأردن إلى قاعات الجامعات، وعاد به محملاً بدرجة الدكتوراة في الهندسة المدنية من ألمانيا، لا كشهادة معلّقة، بل كأداة عمل وفهم.
في ألمانيا، درّس الهندسة، وتعلّم أن النظام ليس ترفاً، وأن التفاصيل الصغيرة تصنع الفارق الكبير، وحين عاد إلى الأردن، لم يتعجّل المنصب، بل اشتغل في الاستشارات الهندسية سنوات طويلة، يقرأ الأرض، ويفهم البنية، ويُدرك أن أي بناء بلا أساس مصيره السقوط، سواء كان جسراً أو قراراً.
وحين دخل العمل العام، دخله بعقل المهندس لا بشعارات السياسي، من وزارة الشباب إلى المياه والري، ومن السياحة إلى النقل، وصولاً إلى موقع نائب رئيس الوزراء، بقي صالح ارشيدات ثابت النبرة، واضح الاتجاه، لا يرفع صوته ليسمع، ولا يلون مواقفه ليبقى، كان يؤمن أن الدولة تُدار بالعقل، لا بالانفعال، وبالتراكم لا بالقفز.
في وزارة المياه، كان يعرف أن هذا الملف ليس أرقاما بل سيادة، وفي النقل، كان يدرك أن الطرق ليست أسفلتا فقط، بل شرايين حياة، وحين جلس نائبا لرئيس الوزراء مطلع الألفية، لم يكن ذلك ذروة طموحه، بل امتدادا طبيعيا لمسار طويل من العمل الصامت، حيث المنصب مسؤولية إضافية لا وساما جديدا .
دخل البرلمان نائبا منتخبا عام 1993، ثم عاد إلى الدولة من بوابة مجلس الأعيان لسنوات طويلة، شاهدا على تحولاتها، وناصحا دون ضجيج، وحاضرا حين يطلب الرأي، لا حين تفتح الكاميرات، لغاته المتعددة لم تكن ترفا ثقافيا، بل جسرا لفهم العالم وتمثيل الأردن فيه، سواء سفيرا أو عضوًا في مجالس ومؤسسات حساسة في النقل والطيران والبنية التحتية.
ما ميز صالح ارشيدات، أنه لم يكن أسير موقع، ولا رهين مرحلة، هندسي التفكير، سياسي السلوك، وطني البوصلة، يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع خطوة ليحمي الفكرة الأكبر، لم يعرف عنه خصام مع الدولة، ولا مزايدة عليها، بل علاقة فهم واحترام، فيها نقد هادئ، وانحياز دائم للاستقرار والعقل.
رحل في كانون الثاني 2026، بعد ثمانين عاما من حياة لم تستهلك في الاستعراض، بل صرفت في الخدمة، رحل وترك سيرة تشبهه، مرتبة، متماسكة، بلا زوائد، سيرة رجل آمن أن الدولة تبنى كما تبنى الجسور، حساب دقيق، صبر طويل، وثقة بأن ما يشيد بإخلاص .. يبقى.
ذلك هو صالح ارشيدات، مهندس دخل الدولة، فترك فيها أثر من يفهم أين يضع الأساس، وأين يجب أن يتوقف البناء.