الوهم الاجتماعي بين الذكورة والتشريع ؛ نقد نظرية الديك والدّجاجات


رم - د. لينا جزراوي

بعد كل هذا الجهد المضني لإقناع المجتمع بأن المرأة إنسان كامل، له عقل يجب أن يُحترم وكينونة يجب أن تُصان، نتفاجأ بنساء يطرحن ما يُسمّى بـ نظرية الديك والدجاجات كحل لارتفاع نسبة النساء غير المتزوجات! نظرية ضيقة الأفق قائمة على تمجيد تعدد الزوجات، دون أي التفات لإنسانية المرأة، ولا لمشاعرها، ولا لرغباتها، وكأنها كائن خُلق فقط ليملأ سجلّات الولادة.

الأسوأ من ذلك أن هذا الطرح يُقدَّم بحجّة “حق شرعي”، بينما يتم تجاهل فلسفة التشريع نفسه وشروطه وأسبابه وضوابطه. فإذا كانت بعض النساء لا يستطعن رؤية أنفسهنّ أكثر من “رحم” و”أداة إنجاب”، فكيف نطالب المجتمع بأن يراهنَّ عقلاً وذاتًا وكينونة؟

وحتى قبل الخوض في جدل الشرعية، يكفي أن ننظر إلى المرأة التي يُلقى في وجهها خبر زواج زوجها من أخرى. امرأة لم تُقصّر يومًا في رعاية شريكها، ولا في تربية أطفاله، ولا في صون بيتها ودعم عائلتها، ثم تُهدَم فوق رأسها حياتها المستقرة بزوجة جديدة! كيف يُطلب منها أن تتعايش مع هذا الانكسار وكأنه تفصيل عابر؟ أين يذهب المجتمع بكرامتها؟ لماذا تُسحق مشاعرها تحت أقدام أعراف لا ترحم؟
ثم يأتي من يردد: “الرجل ديك… وهذه طبيعته”، وكأن الرجل مخلوق غريزي عاجز عن كبح رغباته، وكأن الزواج ممرّ إجباري لنزوات متتالية لا يعرف صاحبها معنى الالتزام ولا قيمة الوعود. أي إهانة للرجل قبل المرأة هذه الفكرة؟ وكيف تُفهم العلاقة بين رجل وامرأة خارج إطار الحب والانسجام والشراكة والبناء إذا كانت تُختزل في تلبية رغبات أحادية لا ترى في الطرف الآخر سوى دور وظيفي؟

يؤسفني أن هذا الخطاب، الذي يهدم سنوات من النضال لتكريس كرامة المرأة، جاء من امرأة. بينما في مقابل كل امرأة لا ترغب بالزواج، هناك شاب عازف عنه أيضًا. فلماذا تهرب هذه الطروحات من السؤال الجوهري: ما أسباب عزوف الطرفين؟

أليس المجتمع صار أكثر تعقيدًا؟
أليست متطلبات الحياة المرهِقة سببًا رئيسيًا في عزوف الشباب عن الزواج؟
ألا يتحمل العرف الاجتماعي وارتفاع التكاليف والمهور جزءًا كبيرًا من المسؤولية؟

إن الشاب الذي يعمل لسنوات ليجمع تكاليف زفافه ليس كائنًا مترفًا، بل ضحية معادلة اقتصادية خانقة. والفتاة التي تُعامل الشاب كـ”صراف آلي” – بدفع من أسرتها أحيانًا – تساهم دون قصد في ترسيخ معادلة ملك ومالك، بدل أن تكون شريكة حقيقية في بناء علاقة قائمة على المشاركة.

فلماذا نطالب رجلًا متزوجًا ومستقرًا بأن يتزوج أخرى؟
ألا يؤثر ذلك على زوجته، على أطفاله، على بيته وعلى توازن أسرة كاملة؟
كيف يصبح تعدد الزوجات هو الحل، بدل معالجة الأسباب الحقيقية التي تُنفّر الشباب من الزواج أصلًا؟

إن أخطر ما نفعله هو تعليق رغباتنا وشهواتنا على شماعة الدين. ننتقي منه ما يوافق أهواءنا، ثم نرفعه راية لتبرير خيارات قد تدمّر أسرًا مستقرة، وتعمّق جراحًا اجتماعية ونفسية لا ضرورة لها.

بدل الترويج لزواج ثانٍ وثالث، على المجتمع أن يشجع الزواج الأول عبر تخفيف الأعباء، وخفض المهور، والعودة إلى جوهر الشراكة الزوجية: تعاون، مودة، دعم متبادل، ورغبة مشتركة في بناء حياة لا صفقة تجارية.

آن لنا أن نسمي الأشياء بأسمائها.
آن لنا أن نرحم الدين من تحويله إلى شماعة لكل رغبة عابرة.
وآن لرجال الدين أن يتدخلوا لتصحيح هذا الخطاب الذي يشوّه مفهوم الزواج ويهدد استقرار الكثير من العائلات.

الشباب يحتاجون مساندة… لا المزيد من التعقيد. والمجتمع يحتاج صدقًا وشجاعة… لا نظريات “ديك ودجاجات” تُقزّم المرأة وتستخف بعقولنا جميعًا

رئيسة الجمعية الفلسفية الأردنية



عدد المشاهدات : (4143)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :