رم - بقلم: أ.د. خالد واصف الوزني
دورة اقتصادية جديدة بدأت تنبلج في الاقتصاد العالمي منذ بدء سياسات تثبيت معدلات الفائدة مروراً بالتخفيض التدريجي، وصولاً إلى الهبوط المنشود.
وقد حلَّقت تلك المعدلات بعيداً وطويلاً لما يقرب من أربعة عقود، تشدَّدت بها دفّة القيادة، وعبرت مطبات مالية ونقدية وتجارية، وبات الهبوط الآمن يتطلَّب ملاحة من نوع جديد في عالم «الفوكا VUCA» القائم على التقلبات السريعة، وعدم اليقين المقلق، والتعقيد المقصود أو المسكوت عنه في بيئات سلاسل التزويد والإمداد، والغموض في التوقعات الجيوسياسية بين مغانم ومغارم جمَّة.
والسؤال المحوري عربياً هو: ما الذي ينتظر اقتصادات المنطقة العربية؟ وهل يمكن لدول المنطقة أن تغنم من الحالة القائمة والقادمة عبر تحويل المرحلة إلى فرصة تنعم بها بجذب الاستثمارات، وتحقيق العوائد، وتوليد فرص العمل، أم إنها ستواجه أخطار الركود المتوقَّع والذي تستشرفه المؤسسات الدولية مع نهاية هذا العقد الحالي؟ ولعلَّ الإجابة عن ذلك تسترعي الانتباه إلى أنَّ الاقتصادات العربية باتت فسيفساء من التنوُّع، ليس من حيث الهيكل الاقتصادي للإنتاج، وإنما من حيث مستوى المَنَعة والصمود من جهة، والرشاقة والمرونة والقدرة على الاستشراف من جهة أخرى.
الخلطة الاقتصادية العربية أفرزت اقتصادات متقدمة، متنوعة، عالمية، رشيقة وتقدمية، كما الحال اليوم في اقتصاد دولة الإمارات والسعودية، وكلتاهما باتت من التنوُّع في الهيكل الاقتصادي ما سيُحيّد دور النفط قريباً من خريطة الإيرادات العامة والعوائد الاقتصادية. وهناك اقتصادات تسعى إلى التحرر من المورد الواحد، وتسعى نحو العالمية، والتحرُّر الاقتصادي الكامل مع بناء اعتمادية تبادلية مع أقطاب العالم المختلفة، ولعلَّ دولاً مثل قطر وعُمان والبحرين والمغرب تندرج ضمن تلك المجموعة الواعدة. وفي المقابل هناك العديد ممَّن تبقّى من اقتصادات لديها المَنَعة والقدرة على الصمود والتميُّز في الأداء، والقدرة على جذب الاستثمارات، ولكنها لم تتمكَّن من التخلّي عن جمود البيروقراطية، وتعنُّت التكنوقراطية، وتشتُّت القرار ومتخذيه.
الشاهد أنَّ تثبيت أسعار الفائدة هو بداية إرهاصات الدورة الاقتصادية الجديدة، بما ستحمله من ازدهار لمنظومة الدول الناشئة والرشيقة والمرنة، وخاصة الصين والهند، وحتى روسيا، بعد انتهاء الحرب، والعديد من الدول العربية، وما ستولِّده من فقاعات في العملات وفي المعادن وفي القطاعات المعتادة على الفقاعة، مثل العقار والأسواق المالية.
في الاقتصادات الكبرى قرار تخفيض الفائدة ليس قراراً عادياً، بل إنه يعكس قبل أيِّ شيء وصول الأسواق المالية إلى حدود قدرتها على تحمُّل تكاليف الاقتراض المرتفعة، وقد شهد النمو في الولايات المتحدة وأوروبا تباطؤاً ملحوظاً، وتراجع في القدرة الشرائية للأسر، وارتفاعاً مهولاً في كلفة خدمة الدين العام التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة. ومن هنا، فقد أصبح التشديد النقدي عبئاً على الشركات والأفراد، بينما تراجع التضخُّم إلى مستويات تسمح بالتوقُّف المؤقَّت عن رفع الفائدة والبدء في تخفيضها تدريجياً.
لكن هذه الخطوة لا تعني إطلاقاً أنَّ العالم يدخل مرحلة تعافٍ سريع، بل تشير إلى فترة «انتظار استراتيجي»، تراقب فيها البنوك المركزية تداعيات التشديد السابق قبل اتخاذ أيِّ خطوة جديدة. وهنا تحديداً تتعاظم المخاطر: فكل المؤشرات تشير إلى احتمال دخول الاقتصادات المتقدمة في ركود معتدل، وربما أعمق إذا تراجعت التجارة العالمية أو انخفض الطلب على الطاقة، وهي معطيات قائمة في ظل التوجُّهات الحمائية في السياسة التجارية، وفي عالم الفوكا VUCA الذي نعيشه.
الاقتصادات الرشيدة عليها أن تُعد العدة لمرحلة التخفيض، عبر تبنّي سياسات حقيقية جاذبة للاستثمار، وليست إعلامية أو إعلانية؛ فالاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتعزيز مرونة الاقتصاد، والاعتماد الأقل على البيروقراطية التقليدية، بل وتصفيرها تماماً، كلها مفاتيح لتحويل المشهد من تحدٍّ إلى فرصة. في عالم يشهد دورة اقتصادية جديدة، سيكون للمنطقة العربية فرص كبيرة واعدة، إن تمَّ اقتناصها، وضائعة بالنسبة للكثيرين إن بقيت الأمور تُدار على حالها. صناعة الفرص، لا انتظارها، هو فيصل الدول الجادة في الخروج من صندوق البيروقراطية والتقليدية والتشدُّد.
أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة
كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية