رم - بقلم الأستاذ الدكتور يحيا سلامه خريسات
في رحلة العمر، قد نظل نبحث طويلًا عن رضا الآخرين، عن قبول المجتمع، وعن ذلك المكان الدافئ في قلوب البشر الذي نظن أنّه سيهبنا الطمأنينة. غير أنّ الحقيقة البسيطة والمخفية في آنٍ واحد، هي أنّ التصالح مع الذات يسبق كل تصالح آخر. فمن لم يجد السكينة في أعماقه، لن يجدها في وجوه الآخرين مهما تبسموا له أو صفقوا لنجاحاته.
إصلاح النفس هو البداية. أن نواجه ضعفنا بصدق، أن نعترف بذنوبنا بلا إنكار، وأن نتمنى الخير لغيرنا دون حسد أو غيرة. حينها فقط تبدأ الروح بالارتواء، ويصبح الرضا الداخلي ثمرةً طبيعية لا تحتاج إلى جهدٍ مصطنع.
النظرة الإيجابية ليست رفاهية، بل فلسفة حياة. أن ترى في الألم درسًا، وفي الخسارة حكمة، وفي المواقف العصيبة فرصة للنضج. وحين تبتسم في وجه الناس، لا لأنك خالٍ من الهموم، بل لأنك أكبر منها، فإنك تمنح قلبك جواز سفر إلى قلوبهم. فالابتسامة لغة عالمية، لا تحتاج إلى ترجمة، تحمل في طياتها رسالة سلام أبلغ من أي خطاب.
التصالح مع الذات لا يعني الانعزال عن المجتمع، بل يعني أن تدخل إليه بروحٍ نقية غير مثقلة بالصراعات الداخلية. وعندها يصبح الفرد لبنة صلبة في بناء جماعي متماسك، مجتمع تسوده الرحمة، ويقل فيه النزاع، ويزداد فيه العطاء.
إنها حكمة الوجود: ابدأ من الداخل قبل أن تمد يدك إلى الخارج. اجعل قلبك أبيض، نيتك صافية، وابتسامتك صادقة، وستجد أن العالم من حولك بدأ يتصالح معك من تلقاء نفسه.