رم - الشاعر والناقد عبدالرحيم جداية
توطئة:
عندما وصلني ديوان «عربية حمراء» للشاعر إسلام علقم كنت متلهفا للتعرف إلى تجربته الشعرية، ومدى تطور البعد الشعري في ديوانه الثاني مقارنة بديوانه الأول بين العشق والألم.
تصفحت الديوان، فوقع نظري على قصيدته «أماه يا فرح العيون»، وخلال تتبعي لمفردات، وتراكيب القصيدة، وجدت فيها من شوق الابن لأمه، أو خوف الابن على أمه، عندما ناجاها بقوله: «ردي إليّ بوجهك عليّ أرى»؛ ما دفعني للتساؤل حول هذه القصيدة، وأظنها كتبت خلال رحلة العلاج، حين كانت تعاني في مرضها، في القصيدة لهفة الابن على أمه، قبل لهفة الشاعر، الذي حول هذه المشاعر إلى نسيج تعبيري، على البحر الكامل.
واستمر تجوالي بين القصائد، حتى وصلت إلى القصيدة الأخيرة، والتي عنوانها «وغادر الطفل» فأفزعني السؤال، وكيف للطفل أن يغادر أمه؟ لكني تعللت بطفولة الشعراء، التي لا تفارقهم مهما كبروا، لكن الطفل يكبر ويتزوج وينجب ويبقى طفلا في نظر أمه، فأي طفل أنت يا إسلام، حتى تفتتح قصيدتك بالوداع؟ وتجرؤ على القول: «الآن يا أمي أودع داخلي» وما الذي يكمن داخلك يا إسلام حتى تودعه؟
أظنك ودعتها بعد أن عزمت على الرحيل، وأسلمت أنفاسها لبارئها، فهل كبر الطفل فيك عندما ودعتها؟ أم أنك ما زلت تحن لدفئها، وقبلتها، حين رفضت فكرة الموت، رغم إيمانك برحلة الوجود، لكن الوجع كان أكبر منك يا إسلام، فأتبعت في قصيدتك قولك: «طفلا صغيرا مع وفاتك غادرا» .
ما الذي تحدثه الصدمة، ومفاجأة الرحيل؟ لا بد أنها تركت فراغا داخلك، فراغا في قلبك، وآخر في عقلك، كيف لا وأنت رجل المفاهيم والإصطلاحات، التي زينت ديوانك الأول «بين العشق والألم»، لكن هذه المفاهيم لم تعد صالحة في ديوانك الثاني، «عربية حمراء» فانشغلت العاطفة حزنا وألما، كيف لا وهي الرحم الذي احتواك، وما زلت تحن لصراخك الأول، عندما غادرت الرحم، ولامست الهواء الذي دخل رئتيك فأوجعك، لكن أنفاسها أعادت إليك طمأنينة الطفل الرضيع، حتى عندما كبرت بقي الطفل فيك يحن لأنفاسها.
من هذه القراءة لهاتين القصيدتين، جاءت فكرة الشهادة الإبداعية، لتعكس الحضور غيابا، وتعكس الوجع تأملا في البداية والنهاية، في النشأة الأولى، ورحلة العودة إلى رحم جديد يضمنا دون أنفاس أمهاتنا، هنا ولد العنوان لهذه الدراسة، «التأمل ورحلة الغياب»، فالغياب فكرة موجعة في القلب، ورحلة الغياب أشد وجعا على العقل، لكن الفكر هو من يذهب بعيدا، متأملا هذا الوجود في الحضور والغياب.
كيف يقود التأمل إلى التفكير التأملي؟
التفكير ليس حكرا على الفلاسفة، وكذلك التأمل ليس حكرا على الشعراء، مع أنه شرط في شعرية النص، وشاعرية القائل، والتفكر تربية للذات في أوقات يخصصها لنفسه، تقع ضمن طقوس الشعراء في كتابة الشعر، ولا يقصد بالشعر كل ما يقال، لكن الشعر هو أنضج ما قيل على لسان الشعراء، كلما تعمق الشاعر في عقله وقلبه باحثا عن الطمِأنينة والسكون، وهذا ما بثنا إياه إسلام علقم في ديوانه «عربية حمراء» بقوله:
«مهما كبرت فأنني طفل أتي/ ليحوز كفك أو يهز أساور/ عقلي سيعذر إن تعبت من اللقا/ لكن قلبي في بكاه تفجرا»
فالعقل أداة للتفكر والتأمل، والقلب منبع للتفكر ومخزن للتأمل، يتبلور التأمل الفلسفي في نفس القصيدة «أماه يا فرح العيون» بقوله: «البعد ليس مسافة أو رحلة» فهذا التأمل الرياضي في الأبعاد والمسافات، هو الطريق لبحث الجدليات المتشكلة، في صورة ذهنية متحركة عند الشاعر إسلام علقم، الذي يخشى رحلة أمه قبل رحيلها، وهذا ما نجده جليا من إنكسار، وحنين، وأمل ألا تغادر من هذا الوجود إذ يقول لأمه: «رديّ إليّ بوجهكِ عليّ أرى» وهذا الطلب أمنية مكبوتة في ضمير الشاعر، أعلنها ظهورا، وتجليا في ديوانه «عربية حمراء»، إذ يختم قصيدته، بأمنية البقاء لأمه، والأمنيات قابلة للتحقيق لكن ليس دائما، فكثير من الأماني تنتهي في رحلة الوجود إلى الغيبيات.
والتأمل الفلسفي، كما يقول المفكر السعودي على الهويريني، بأن التأمل هو هز الرأس، وقول سبحان الله ، والتأمل أن تتحدث مع الشجرة، والنار، والنجوم، والكون، والحياة، لكن التسبيح الحقيقي، هو كما يقول المفكر السعودي، أن تخلد الله في خلقه، فالشجر والمخلوقات كل يسبح بحمده، وهذا التسبيح لغة قد لا يعرفها المتأمل لكنه يحاور الشجر والمخلوقات ويفكر في تفاصيلها ويسألها ويبحث عمن خلقها ومن أنشأها على هذه الهيئة.
يصل إلى هذا المعنى الشاعر إسلام علقم في قصيدته «مقعدي صخرة» ص (163) بقوله: «في قرص الشمس خسائرنا» كما يقول «قد كان نهارك من فوضى» ويبحث أيضا في المخلوق وظله، متِأملا تلك الظلال طويلا ليسأل إسلام علقم بماذا تحدق فيقول في قصيدته ص (169):
«ظلالك ليست تشبهها ظلال/ ولا حتى أسميها ظلالا/ فمثلك تعبر الأنوار منها/ وتخرج لوحة تزهو جمالا»
هل كنت تحدق يا إسلام أم كنت تتأمل، هل نظرت إلى الظلال والنور، وكيف خرجت لوحة، أم أمعنت النظر في الخلق، وأثر المخلوق على المخلوق، بين ظل ونور، وأنثى شفافة تعبر الأنوار منها فتزهوجمالا.
والتأمل حضور وظهور، وقد تتأمل بما تدركه الحواس، حتى نصل إلى ما لا تدركه الحواس، فحين نظر إسلام علقم في السماء، رأى حضورا كثيفا في قصيدته «تواعد الريش» ص (50) ليقول:»وتلك السماء حضور كثيف» وإذا كانت الأرض سرا ندركه بحواسنا، فإن السماء أسرار قد لا ندركها، ولو آمنا بها دون علم، حيث يقول:»وعانقت سري ولم تعلميه» وهكذا يتأمل إسلام علقم في كنه الأسرار والغيبيات، بحثا عن الحضور والظهور بعد طول خفاء.
النماء والتطور:
إسلام علقم شاعر دائم النماء والتطور، دائم التجديد والحضور، فها هو يتأمل الوجوه في قصيدته «وجوه عابرة» بقوله:»ولبعض الوجوه حضور لطيف» لماذا يسعى إسلام علقم على تأكيد الحضور والظهور في حالة التأمل، ولماذا يعترف بالخواء والفراغ بقوله: «سطور فراغ» لكنه لم يحاول جادا الوصول إلى التجلي بعد الخفاء، حتى تعالى على حواسه، فكان الحدس طريقه لتأمل البنفسج والصباح بقوله في قصيدة «رعشة حدس» :
«بلون البنفسج/ كان الصباح/ ترى/ من تكون التي أمطرتني/ ومن أي شوق/ تجني الرياح»
إسلام علقم صاحب حضور في القصيدة الفصيحة، عاش وهو يزاوج في بداياته بين الشعر والنثر، في القصة القصيرة والقصة الومضة، هل كان يزاوج بينهما؟، أم كان يبحث في ثنايا القصة القصيرة حالة التكثيف الذي أسقطه على قصائده، أظنه التأمل والحضور، ليبقى صامتا عن الغياب على مدى قصائد الديوان، حتى يختم ديوانه بقصيدة «وغادر طفل» ص (239) حيث يؤمن يقينا بأن أمه قد غادرت الدنيا، وأعلنت غيابها ليعيش رحلة التأمل إلى الغياب بقوله:
« الآن يا أمي أودع داخلي/ طفلا صغيرا مع وفاتك غادرا»
الخاتمة:
فهل أيقن الغياب مع موت والدته فتأمل الكون، أم أنه تأمل الكون والمخلوقات، ليعترف لحظة وفاة أمه بأن ما فكر فيه وتأمله قد أصبح حقيقة، فهذا الديوان «عربية حمراء» جاء نتاجا متطورا في قصيدة إسلام علقم العمودية والتفعيلة، في الشعر الفصيح والذي تفوق به على نفسه في ديوانه الأول «بين العشق والألم» لتكون قصائد الديوان الأول، تأسيسا عروضيا، ولغويا، وفنيا، يأتلق بفكره في ديوانه الثاني، متأملا، محاولا الوصول إلى التفكير التأملي، لكن ديوانيه لم يشهدا له بهذا التفكير التأملي، الذي لا نعرفه دون أسئلة تدل على هذا التفكير التأملي، أو تشير إليه، ولكنه عاش التأمل في حواسه، حتى وعى تلك الحواس، فكان الحدس أول طرقه إلى التأمل.