تعديل حجم الخط:
رم- سينما
شكلت مدينة الزرقاء بصخب وحراك بيئتها الاجتماعي المميز عن أي مدينة أردنية أخرى، حالة الهام للعديد من أبناء المدينة في إثراء ذائقتهم الثقافية من ناحية ودخولهم معترك الفعل الإبداعي في حقول تعبيرية متباينة من ناحية أخرى.
كما عزز انتشار صالات السينما بالمدينة التي كانت تصطف على شارع واحد تعدد مستويات التلقي للمعرفة ولئن كان القطاع الأعظم من روادها يلجا إلى متابعة ما تعرضه من أفلام كنوع من الترفيه الممتع بنجوم ومواضيع تلك الأفلام التي كان أصحاب تلك الصالات يجلبونها من أصقاع العالم .
وضع التنوع في طبيعة ومناخات وفسيفساء النسيج السكاني للمدينة المتباين الثقافات والمتشابه المستويات المعيشية بصمته الخاصة على خريطة المشهد الثقافي والفني للمدينة التي عملت على تطعيم الثقافة والفن الأردني بقامات إبداعية متميزة .
لفترة خلت كانت الزرقاء أشبه بتلك الواحة في فضاءات صحراء الأمر الذي وفر لها نقطة تلاقي الكثير من البشر المقيمين والزائرين حيث كانت تستقبل نهاية كل أسبوع أهالي العاصمة والبلدات القريبة لقضاء وقت ممتع بين أشجار التوت والمشمش التي تحيط بسيل الزرقاء الذي يشق طريقه من الرصيفة وعوجان والسخنة .
منذ عقد الخمسينات من القرن الماضي عرفت المدينة الصالات السينمائية التي اقبل عليها أهالي المدينة بحضور لافت وهو ما عزز تلك المنافسة بين الصالات بأشكال كثيرة من بينها التنافس على نوعيات وجنسيات الأفلام الرائجة في السوق العالمية أو التي تتكيء على أسماء نجوم مكرسين .
إلى جوار عرض الأفلام العربية والأجنبية كان عدد من صالات السينما في المدينة يقوم باحتضان حفلات مسرحية غنائية مباشرة يصاحبها الرقص الشرقي لفنانين قادمين من مصر.
عمل التنافس بين الصالات رواد تلك الصالات على متابعة روادها لكثير من الأفلام المتنوعة التي كانت تعرضها صالات السينما السبع في المدينة: (ركس) و(سلوى) و(الحسين) و(النصر) و(الحمراء) و(فلسطين) و(الصيفي) قبل أن تتوقف صالتا ركس والصيفي عن العمل ويستحدث بديلا عنهما صالتي (زهران) و(أستوديو زهران) في منتصف السبعينات من القرن الفائت .
إلى فترة وجيزة، ظلت الثقافة السينمائية في مدينة الزرقاء حكرا على مصدر وحيد هو تلك الصالات التجارية التي كانت تسد جزءا واسعا من الفراغ الثقافي بالمدينة لا ينافسها في ذلك سوى مكتبة البلدية التي كانت توفر لروادها قراءة أحدث الصحف والدوريات العربية الآتي معظمها من القاهرة وبيروت إلى أن جاءت ثورة التكنولوجيا والاتصالات العالمية التي بدلا من أن تعمل على توفير صالات سينمائية حديثة في المدينة مجهزة بنظم وتقنيات الديجتال، اثر أصحاب تلك الصالات التواري خلف أعمال تجارية وصناعية وبالتالي غابت بهجة الفن السابع ومتعة طقوس رحلة متابعة فيلم داخل صالات العرض.
طوال أربعة عقود من الزمان قادت تلك الصالات التي شيدت وفق جماليات معمارية غير مألوفة في النمط المعماري للمدينة إلى تنمية وإثراء ذائقة الرواد ووجدوا فيها ضالتهم بالحلم والافتتان بأجواء غير مألوفة من عوالم الحياة التي يتحرك فيها نجوم أفلام عرب وأجانب تلك الحقبة وما يقدمونه من ادوار البطولة والحركة والتشويق والمغامرات والرومانسية والكوميديا مثلما كانت في ادوار فريد شوقي ومحمود المليجي واحمد رمزي وعادل ادهم وتوفيق الدقن في السينما المصرية ونظراؤهم في السينمات الأجنبية التي كانت الصالات تزدحم بأعمالهم بأفلام الكاوبوي والتشويق البوليسي والمغامرات الكوميدية والميلودرامية والرومانسية.
على جبهة السينما الهندية كانت لرواد الصالات جولات من المتابعة والشغف لنماذج من أسماء نجومها الكثر: شاشي كابور وريشي كابور وراج كابور وريكها واميتاب باتشان وامجد خان ودارامندرا وجميعها أفلام طويلة نسبيا عن سائر مثيلاتها من الأفلام الأخرى لكنها تحتشد بتلك القصص المشحونة بالعاطفة والالتصاق بالعائلة والوقوف إلى جانب الأخيار والتنكيل بالأشرار ونهاياتها وتحفل بوجبات دسمة من المناظر الطبيعية والأغنيات والمطاردات والعلاقات الرومانسية والجرائم التي يواجه فيها البطل الفرد مجاميع من الرجال الأشرار .. إلا إن ما يلفت فيها ذلك الإعلاء من القيم الشرقية ومكانة الوالدين وهي تتشابه مع تقاليد وعادات سائدة بالبيئة المحلية.
أفلام عديدة ما زالت عناوينها عالقة في ذاكرة أبناء المدينة بل ويرددون جملا مطولة من حوارات تلك الأفلام الدارجة على السنة نجومها، استمرت معهم وهم يشقون طريقهم في الحياة حيث كانت مستمدة من ألوان الميلودراما الهندية والتركية والمصرية الزاعقة : (ولدي) ، (أمي) ، (أنا يتيم)، (ماسح الأحذية)، (أنت جميلة وأنا شاب)، (ارض أمي)، (الأرض تحترق).. وما يحيط بها من عناوين تبتكرها ذائقة أصحاب الصالات والموزعين بغية جذب اكبر عدد ممكن من الرواد لصالاتهم التي تمتليء في حفلة الساعة الثالثة ما بعد الظهر مع تخصيص ركن (اللوج) و(البنوار) كحيز للعائلات وغالبا ما كانت لوحة (لم يبقى محلات) تحتل واجهات شبابيك التذاكر .
كانت أسماء نجوم السينما الاميركية والهندية والمصرية والايطالية واليونانية والتركية والصينية التي تنجز في استوديوهات هونغ كونغ والفليبين وطوكيو وسنغافورة وماليزيا وبومباي تحفر في ذاكرة أجيال من أبناء المدينة إلى سنوات لاحقة وتمرس على تردادها بإعجاب أمام صحبه، ففي الأفلام الاميركية تابعوا مغامرات الغرب الاميركي : جون واين، ستيف ماكوين، تشارلز برونسون، لي فان كليف، وكلينت ايستوود .. والأخير حظي بمتابعة لافتة من أبناء الزرقاء في الكثير من أعماله التي صورها إبان بدايات عمله المبكرة في استوديوهات سينشيتا الإيطالية من خلال أفلامه التي اصطلح بتعريفها في أوساط النقد بأفلام (الويسترن سباغيتي) ومنها التقط الرواد أسماء نجوم آخرين مثل: جوليانوجيما، تيرنس هيل، بد سبنسر وفرناندو سانشو .. الذي اشتهر بين رواد صالات المدينة باسم (أبو شاهين) حيث كان يشبه احد اشهر أبناء المدينة المواظبين على حضور الأفلام في أغلبية الصالات كزبون دائم وهو في حالة رثة تردد انه مات فجأة في إحدى الصالات وهو يتابع احد أفلامه المفضلة!.
انجرف اهتمام عشاق السينما إلى نوعية ثانية من الأفلام الإيطالية الكوميدية على غرار ما كانت تقدمه سلسلة أفلام الإيطاليين: الفارو فيتالي، اوغو توغنازي، ادوج فنش، اورنيللا موتي، وتوماس ميلان قبل أن يأفل بريق هذه النوعية من الأفلام صوب أفلام آسيوية قادمة من الصين واسيا البعيدة حيث لعبة الكاراتيه والشاولين التي أخذت ما بعد منتصف السبعينات بالهيمنة على أفلام الصالات وغدت أساليب الموزعين وأصحاب الصالات تستعرض كل قدراتها اللغوية في ترغيب الرواد بهذه النوعية من الأفلام عبر مصطلحات تظهر على لوحات الإعلان: (الرؤوس تبتر والأيدي تقطع، وتحذيرات متكررة بأنه ينصح ذوي القلوب الضعيفة بعدم مشاهدة الفيلم .. و..) وغالبا ما كان يضطلع بتمثيل الأدوار الرئيسية في تلك الأفلام كل من بروس لي صاحب فيلم (الرأس الكبير) وبات التالف مع مسميات متكررة في تنويع على مفردة التنين والشاولين والكونغ فو، وهناك أيضا وانغ يو وسين سينغ الذي ارتبط اسمه بسلسلة أفلام (السواعد الدموية).
التصقت ذاكرة رواد صالات الزرقاء بأسماء لعديد من المخرجين العالميين مثال: الاميركي سام بكنباه، والإيطاليين ماركو بيلوكيو، سلفاتورو سامبيري والبرتو لاتوادا والتركيين يلماز غوناي، فاطمة جيرك، عاطف يلماز، محمد أصلان، عرفان اتاسوي، جانيت اركن، شريف اوكتين، ويلشن جولهان الذي احضره المخرج والمنتج السينمائي الراحل غازي هواش إلى عمان واسند إليه بطولة فيلمه المعنون (نسر الشرق).. الذين اتيح لأفلامهم المغايرة أن تشق طريقها إلى صالات مدينة الزرقاء نتيجة التنافس المحموم بين موزعي الأفلام المحليين في تلك الفترة .
أكثر ما يثير الدهشة إن تلك الأعمال كانت تتوجه إلى المتلقي بخطابين درامي وجمالي مميزين فهي ذات مضامين جريئة في طرح موضوعاتها بمفردات وعناصر من اللغة السينمائية من اجل تعرية وإدانة لسلوكيات مؤسسات وأفراد متوقفة عند بعض المحطات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وهو ما جعل البعض منها أن يتبوأ مكانة مرموقة في ذاكرة السينما والكلاسيكيات العالمية النادرة.
اتيحت الفرصة لكاتب هذه السطور لاحقا بعد أكثر من ثلاثة عقود من متابعة الأفلام بصالات المدينة، بان يلتقي شخصيا مع أغلبية تلك الأسماء نجوما ومخرجين من بين الذين واظب على متابعة أفلامهم في صالات المدينة، وذلك إبان مشاركته في تغطية فعاليات مهرجانات السينما العديدة العربية والدولية التي اخذ بمتابعتها إعلاميا، حيث اكتشف ما صنعته علامات الزمن من تغيير في ملامحهم وما حفرته بوجدانهم من أحاسيس ومشاعر وعواطف قادتهم أشواطا طويلة في رحلتهم الإبداعية الطويلة. (الراي)
مراقب
ى
احمد الغماز
حازم
اكرم العظم
فؤاد الغماز ابو بشار